مذكرات حائر٧
الحلقه الخامسه والثلاثون
” انهيـــــــــار المعبد ”
” اتفضلي ” دخلت وهي تنظر الي الارض ليس من الخجل وانما من الآسي اعلم ذلك جيدا , كانت مرتعبة فاردت ان ازيح عنها بعض الحمل ” سارا شكلك تعبان اطلعي ارتاحي في اوضتك ” صعدت مباشره دون ان يصدر عنها أي رد فعل .
وقفت امام مراه بالصالون الفاخر الذي اخترته وفقا لما تذكرته من ذوقها اجل فانا جلبت كل شيء علي حسب تذكري لذوقها وهي تشتري اغراضها مع احمد رحمه الله , عدلت من ربطه عنقي ورسمت بسمه باهته وقلت بمرح مصطنع ” مبروك يا عريس ” اخيرا بارك لي احدهم !! .
دخلت الغرفة المجاورة لها وبدلت ملابسي واطفأت النور سريعا , يفترض بي ان اكون عريس , فتحت النافذة بحذر لا اريد ان ينتبه علي احد الجيران , اجل فانا عريس ظللت اذكر نفسي كل مدة .
كنت اراقب الشارع والحديقة أعلم انها لم تنم وانها تبكي , فانا اسمع صوت بكاؤها والتفت نحو شرفتها ” يا حبيبي ” انها واقفه في الشرفة تبكي ونور الغرفة مضاء ونحن بالدور السادس , لقد علم الشارع كله بأن غرفه العروس مفتوحة , لم يعد هناك أي داعي للاختباء خلف النافذة لقد فضحت وانتهي امري .
ادليت براسي لها وقلت بسخرية شديدة ” سارا ” نظرت فجأة نحوي وفزعت عندما رأتني . كان نصف جسدي خارج من النافذة , ” انا عارف ان الموضوع ده هيفجأك بس احنا المفروض عرسان انهاردة , واظن الشارع كله عارف كده من البلونه اللي عليها اسمنا والأنوار اللي في الحديقة ” ثم اشار بيده نحو البالون في الاسفل ” شوفي ربنا , اهه عم ابراهيم بيفضي البالون اهه , فاعتقد يعني ان الشارع فاهم اننا عروسه وعريس وكده …. , وممكن , ممكن مش اكيد ! لما يبصوا علي اوضة العروسة يلقوها واقفة بتعيط وفاتحة النور وانا مش في الاوضة ” , وزم شفتية بسخرية ” صدقيني هتبقي وحشة في حقي ” .
احمرت سارا بشدة رهيبة جعلته يضحك بصوت عالي للغاية ودخلت واغلقت الشرفة والنور .
ظل يقهقه واغلق النافذة وارتمي علي السرير يضحك بشدة , لقد دمر نفسه , هو يعلم ذلك وخسر كل عائلته والأهم من ذلك انها لا تطيقه .ومع ذلك استمر في هذه الزيجة الي النهاية , هو لا يعلم لما فعل بنفسه هكذا , يعلم ان ما فعله خاطئ تماما ولكنه فعله ولا يوجد لديه شيء اخر يفعله ….. .
ثم قال بسخرية يحدث الصوت الذي يتحدث اليه دائما ” انت فين ؟ انت فين يا عم انت ! مش لو واحد ووحده اعدين لوحدهم الشيطان بيبقي تالتهم , انا اهو وهي في الاوضه اللي جنبي ولا انت مبتجيش ليا غير في النكد وبس !! “.
_ اعلن اشعار ” الفيس بوك ” عن بلوغه التاسعة والثلاثين , ابتسم بوهن لم يهنئه احد من اخوته حتي برسالة واهية علي الموقع , لقد مر اسبوع علي زواجه من سارا ولم يرها الا نادرا حتي انها لم تخلع حاجبها امامه حتي الان ولو لمرة واحده كانت تضع له الطعام وتصعد غرفتها وغير ذلك لم يكن يراها .
تنهد بآسي شديد علي حالته هذه ونظر الي الساعة وجدها التاسعة حدث نفسه ” اما اقوم اصلي العشا و اتخمد احسن من الأعدة دي ” , نزلت سارا ولكنها لم تره وهو نائم علي الكنبة الوثيرة امام التلفاز , نظر نحوها بترقب وهي تشرب المياه وملئت كوب واخذته معها وصعدت مرة اخري .
سعد كثيرا فهذه اول مره يري شعرها كانت عاقصة اياه للخلف علي شكل ذيل حصان , وكان يهتز الي اليسار واليمين اثناء صعود ها السلم , لابد وانها شردت ونزلت دون ان تنتبه لما ترتديه , كانت ترتدي بيجاما للمنزل لم يسبق له ان راها هكذا , صحيح انها كانت تجلس امامه بملابس للمنزل ولكنها كانت طويلة وفضفاضة اما هذه البيجاما الطفولية كانت قصيرة الاكمام وبدت سارا رائعة .
جميل وجدت شيء يزيد من عذابي !
اغلق التلفاز وصعد سريعا الي غرفتها وطرق الباب ورغم انه كان اكيد من ان ذلك ما سوف يراه إلا أنه حزن , ارتدت طرحة وسترة بيجامتها ولم تكلف نفسها عناء النظر اليه بل ظلت تنظر الي الفراغ , ” انا بكرة هنزل الشغل بس لو غيرتي رأيك في السفر ممكن نسافر من بكره لأي مكان تحبيه ” , هزت رأسها نافية .
” رائع لم اعد اسمع صوتها حتي ! ” .
” تحبي اجهز ليكي مكتب وترجعي الشركة في خلال اسبوع هكون موضبة ” ” لا مش عاوزة اشوف حد ” .
” يااااله من رد بديع !! ” .
” سارا انا جوزك مفيش داعي تلزمي نفسك بالطرحة قدامي , علي الاقل لما يبقي حد هنا يا ريت تراعيني شويا ” , نظرت لي وعلمت انها تريد البكاء لم استطع المقاومة رفعت يدي وسحبت طرحتها وقلت لها بهدوء ” وبعدين شعرك جميل اوي بتخبيه مني ليه ؟! ” ازدردت لعابها بعصبية ” تصبح علي خير ” واغلقت الباب ، نظرت الي الباب المغلق في وجهي وقلت بتهكم ” وانتي من اهلو ” .
_ من الجيد انني ذهبت الي العمل , هكذا ادفن مشاكلي ووحدتي انها افضل طريقة وكلما ارهقت نفسي اصبح لدي فرصه في النوم ليلا حالما اضع راسي علي الوسادة .
**** **** ****
من الواضح ان الخطط لم تكن عادة اهل منزل السيد شهاب فقط فالسيدة وفاء وضعت خطه هي الأخرى كي تخرج ابنتها من حالتها السيئة فهي تعلم تمام العلم انها ليست علي وفاق مع عبد الرحمن وانها لا تريده ولكنها اضطرت للضغط عليها هي ووالدها فوضع سارا اصبح حساس للغاية , لقد تزوجت مرتان ولديها مشاكل في الانجاب , وفرصها في الحصول علي زوج مناسب كانت ضعيفة للغاية , كما أنه لا يوجد احد سوف يحتمل حالتها هذه وامام اصرار عبد الرحمن واقناعه للسيد شاكر والسيدة وفاء , وامام الشعور بالخوف اجل فالسيد شاكر وجد مرتان رسائل تهديد بإحدى المحلات , حتي ان فارس كاد يخطف مرة ولكن بارك الله في الشرفاء الذين انقذوه , فالجميع ينظر للمال والله وحده يعلم ان لا احد مسه منهم حتي سارا نفسها لم تفعل به أي شيء , لعنه الله علي المال الذي جعل الناس يتحولون الي وحوش ضارية , ومال العالم كله لن يعيد لابنتها ما فقدته ابدااا .
السيدة وفاء ” ايه انا عاوزاكي تسيبي امل خالص , وتحججي بأي حجه عشان سارا هي اللي تخلي بالها منها ” وبالفعل صعدت ايه لتخبر سارا بذلك , وفي خلال عدة ايام كانت سارا انشغلت تماما بأمل وبصحتها وطلباتها ومنزلها ونظافته واصبح هناك ما يشغلها اخيرا , واكثر شيء اسعدها حين اخبرتها امل بانها تتمني لو تتحسن صحتها ولو قليلا كي تستطيع الخروج لشراء اغراض الطفل .
ارادت سارا اسعاد امل لذلك اخذت سياراتها المتوقفة منذ مده طويلة وذهبت للمركز التجاري وتبضعت الكثير من الاشياء للطفل وعادت متأخرة في ذلك اليوم وصعدت مباشرة الي امل .
فرحت امل كثيرا بالأغراض واشرق وجهها الشاحب وكذلك حسام الذي دمعت عيناه وهو يتخيل الطفل بتلك الملابس او يلعب بتلك الالعاب , جاء محمد وايه وفرحوا للغاية كانت اغراض كثيرة وكل مستلزمات الطفل تقريبا , فأثناء وجودها بالأمارات كانت تضع الخطط كثيرا لشراء تلك الاغراض وتشاهدها وتستفسر عن الاجود والاحسن , ولكن القدر لم يعطها فرصه لشرائها وحرصت علي ان تكون الالوان محايدة ” لما تعرفي نوع البيبي هروح اجيب بقيه الحاجة عشان الالوان وكمان هجهز الاوضه باللون بتاعه بس انا حاسه انو ولد ان شاء الله ” ” يا رب يا سارا ” قالت امل بينما قال حسام ” انا نفسي في بنت بس كل اللي يجيبه ربنا كويس ” , وضحكوا لأول مرة منذ مده .
امسكت ايه بسماعه الهاتف ” تعالي يا طنط انتي وعمو ” ” امل كويسه ؟ ” اه متقلقيش بس تعالوا يالا ” .
صعد الاب والام وسعدوا كثيرا ف اغراض الاطفال صغيرة وبريئة وتشعر أي شخص بالسعادة عند رؤيتها , كانت الصالة مفروشه بالأغراض واخذت سارا تشرح لأمل وحسام كل شيء عن الخامات وانواع زجاجات الرضاعة واجودها وعن الخامات التي يجب ان يبتعدوا عنها وايهما مضر وايهما مفيد , حتي محمد وايه رغم انهم لن ينجبوا الا انهم كانوا يستمعون لها بإنصات شديد .
بعد ذلك اخذت ترتب هي وايه الاغراض ووضعت عده اشياء بعيدا للتطهر ها وتنظفها مثل الالعاب , اما امل فكانت تضم عده ثياب صغيرة ولم تستطع الامساك بدموعها والجميع اخذ يضحك ويلعب مع الاغراض وكأن الطفل حضر .
رن جرس الباب ودخل عبد الرحمن الحانق بشدة يصيح بها ” انتي فين من الصبح ومبتروديش علي التليفون ليه ؟ ” اكملت توضيب الاغراض ولم ترد عليه , كان الجميع يضحك وحالما دخل هو تجهم الجميع رحلت المرارة ليحل محلها الحنق والغضب .
صاح بغضب بالغ ” ردي عليا ” وقفت ببرود ” امل انا هغير هدومي واجي اكملك باقي الحاجه ” ومشت نحو الباب ولكنه اوقفها ليسحق ذراعها اسفل قبضته وهو يصيح بها , صاح به حسام علي الفور رغم ان احمد فعلها قبله كثيرا إلا ان ضخامة عبد الرحمن مقارنه بصغر حجم سارا كانت غير عاديه , كما ان احمد كانت له ظروفه الخاصة .
صاحت به بحده ” سبني انت ازاي تمسكني كدة ! ” , لم ترد سارا علي احمد ولو لمرة واحدة , تملك الشيطان الذي يحدثه منه واصبح هو ” إيه , مستغربه اوي كده ليه؟ اول مرة حد يعمل معاكي كده ! ” , في البداية ذهلت سارا منه ثم دمعت عيناها بشده وصاحت بغضب وهي تضرب بيدها الحرة علي صدره ” احمد احسن منك مليون مره , احمد عمرة ما عمل معايا كده بمزاجو ابدا , ولما رجعله نظرة عمرة ما زعلني , انا بكرهك بكرهك ” , وركضت الي الأعلى وتركته واهن وحانق غير مصدق لما فعله هو او لما قالته هي .
اما الجميع كان متحير , هناك شيء يحدث شيء مريب لما تمت هذه الزيجة ولما تحول عبد الرحمن هكذا ؟ لا احد يعلم ذهب هو الاخر دون النظر الي احد … .
صعدت سارا واغلقت علي نفسها باب غرفتها واخذت تبكي بشدة ومراره رهيبة , انها تكرهه بشده , اجل تكرهه من كل قلبها لقد حرمها من ذكري حبيب قلبها , حرمها من شقتها التي تعشقها وتستكين لها وتذكرت ايامها مع احمد وكيف غطت بنوم عميق اول يوم لها بالشقة رغم انها لا تنام سريعا بمكان غريب وشرفتها التي كانت تراقب منها الحديقة , انها تكره هذه الغرفة انها موحشة باردة لا يوجد بها دفء او حياه , حتي الشرفة لا يوجد بها ارجوحتها التي جلبها لها احمد لأجلها كما انها شاهقه الارتفاع وهي تكره المرتفعات ولا تري الورود عن قرب منها , كل شيء هنا يرعبها ويخيفها , تتمني لو تعود الي شقتها وهذا الذي تزوجته انه يهينها ولكن ليس هذا ما اثار حنقها انه اهان احمد تبا له اقسم انه سوف يدفع الثمن .
_ انت من اعطاها تلك الفرصة , عليك بها لا تتكاسل لا تتهاون انها تراك ضعيف , انها لم تواجه احمد يوما , عليك ان تثبت انك قوي , عليها ان تنصاع لك يمكنك ذلك المرآه تحب الرجل القوي .
هكذا اخذ يوسوس له ويزيد ما يجيده الي تلك الكلمات كي يُذهب الندم عن ذهن عبد الرحمن .
بينما هي وضعت علبه هدايا علي السرير وجلست تراقبها وتتذكر كلمات والدها لها ” سارا انتي متجوزة واحد تاني معدش ينفع تسيبي حاجه احمد اديها لماما يالا يا حببتي ” ” لاااا حرام عليكو حراااام ” ” يا بنتي علي عيني دموعك بس خلاص يا سارا احمد مش سابك وطلقك ولا حتي سافر وهتستنيه يا بنتي ده راح للي خلقه واللي مات عمرة ما بيصحي خلاص يا سارا لازم تفوقي فرحك بعد اسبوع , هاتي الحاجه دي عشان حرام انتي كدة خاينة لجوزك ” ” لا ده مش جوزي احمد هو اللي جوزي ” , امسكها جيدا وقلبه يعتصر من الالم علي حزنها واخذت والدتها وهي دامعه الاعين كل اغراض زوجها الحبيب وخرجت واخذت سارا تتوسل والدها وتصرخ ولكنه لم يسمع لها , لا احد يسمع لها ابدا .
_ هيا افتحيها , انك مشتاقه له بشده .
لا ابي اخبرني لو فعلت ذلك اصبح خائنة .
_ لا لست بخائنة انه زوجك حبيب قلبك الم تشتاقي له ؟ هل نسيته انتِ الأخرى مثل الجميع
لا والله لم افعل يوما ولن افعل .
_ حسنا ما الذي تنتظرينه اذا .
عندما خبأ عبد الرحمن المفاتيح شعرت سارا بالغدر كان لديها عدة اغراض لأحمد خبأت اهم الاشياء له وهي اخر ملابس كان يرتديها قبل وفاته كان بها رائحته , رائحته هو نفسه , رائحه عرقه رائحه حضنه , رائحه انفاسه , رائحة دفئه رائحته الخاصة فقط ولا شيء اخر , واشترت عطور بدلا من تلك التي اغلق عليها عبد الرحمن فهي تحفظ اسمائها عن ظهر قلب , وخبأتها تحت ساعة اهدتها لها صديقه يوما ما بعلبة الهدايا ووضعت ورقة كرتونية ثم الساعة ولم يشك احد بأمرها .
علمت انها سوف تحتاجه في يوم من الايام , وها هي تجلس امامه ولكن تخشي فتحه , لا تريد ان تكون خائنه ” لست بخائنه حتي انه ليس زوجك ليس لك شأن به هيا الم تشتاقي ؟ بلي والله قلبي مشتاق له اكثر من اشتياق رئتاي للهواء .
نزلت دموعها وفتحت العلبة بيد مرتعشة خائفة من العقاب وفي نفس الوقت متحمسة للقاء حبيب قلبها , ازاحت الساعة وازاحت الورقة الكرتونية وامسكت بكرت ذاكرة وقبلته لقد حفظت عليه كل صور احمد , فقد اخذ والدها الهاتف ومسح كل شيء , وضعته بحرص الي جوارها ونظرت الي زجاجات العطور وشعرت بآسي انها ليست الزجاجات الاصلية ولكنها نفس الرائحة .
امسكت بالزجاجة الاولي كان عطر فرنسي عالمي يضع منه احمد بالمناسبات الخاصة فقط , فتحت الغطاء بحرص شديد ووضعته علي انفها وغاص قلبها بصدرها وتزاحمت الصور بشدة في عقلها وتدافعت اليها الذكريات بقوة شديدة يا الهي انها قوة الرائحة التي تختزن ذاكرة للمواقف بعقولنا ونتذكرها بشم الرائحة مرة اخري , ذلك العطر الذي وضع منه يوم عقد قراننا , ويوم عيد ميلادي ويوم الزفاف ويوم زفاف حسام ومحمد وزفاف ابن خاله , وتدافعت كل الذكريات الجيدة تتذكرها بشدة ووضوح امامها وتراه يبتسم ويضحك ويشاكس بها .
ابتسمت كثيرا ونزلت دموعها دون ان تشعر انها تراه امامها يفعل كل تلك الاشياء الرائعة التي فعلها من اجلها .
اغلقت الزجاجة الاولي ووضعتها بهدوء , ألهذا حرم الله علي النساء وضع العطور خارجا ؟ كي لا يتعلق بها الرجال , ان للعطور قوه خفيه سر من اسرار الطبيعة لا يعلمه سوي الله , لقد ارجعت احمد اللي بشكل رهيب لطالما فعلت ولكنني حرمت من ذلك الشعور منذ فتره منذ ان بعدوا أشياءه عني كي انساه , ولكن كيف ؟ وانا اعيش علي ذكراه اتنفس علي رؤياه لا احد يشعر بي , لم يفعل احد سواه .