حكاية دهب وسليم
ولا حاسس بالجرح اللي كلماته بتفتحه فيها واحدة واحدة.
كمّل كلامه بغضب، صوته عالي، وهو بيحكي لفؤاد إنها السبب في خراب حياته، كأنها عبء اتحط عليه غصب، مش بني آدمه قاعدة جنبه وبتسمع كل حرف.
من الناحية التانية، فؤاد حاول يفكر بعقل: ـ طب اسمعني يا سليم… خلّيها تعيش مؤقتًا مع السكرتيرة بتاعتنا لحد ما نلاقي حل.
تطلّقها وترجعها الصعيد تاني، من غير دوشة ولا مشاكل.
سليم هز راسه وهو سايق، وكلام صاحبه دخل دماغه من غير ما يفكر فيه مرتين.
طول الوقت ده…
دهب ساكتة، ولا كلمة خرجت منها،
ولا اعتراض، ولا حتى أنّة.
وسليم؟
ما فكّرش لحظة يشوف وشها،
ولا يسأل نفسه كبرت إزاي،
ولا بقت عاملة إيه…
ولا خطر في باله إن الطفلة اللي سابها زمان،
ممكن تكون اتحولت لوجع كامل قاعد جنبه دلوقتي.
—
وصلوا القاهرة، والزحمة كانت بتبلع كل صوت جواها.
سليم وقف بالعربية قدّام عمارة في حي هادي، نزل الأول، وبعده نزلت دهب من غير ما ترفع راسها.
طلعت معاهم بنت شابة، باين عليها البساطة والهدوء.
سليم بصّ لها وقال بسرعة: ـ دي قريبتي من البلد… ومش هينفع تعيش معايا، أنا عايش لوحدي.
هتقعد عندك كام يوم بس، لحد ما أظبط أموري.
سالي ابتسمت بهدوء، محاولة تطمّنها: ـ طبعًا يا أستاذ سليم، البيت بيتها.
دهب ما علّقتش، فضلت ساكتة زي ما هي، ماسكة في طرحتها بإيديها.
سليم ما استناش رد، لفّ ومشي،
ولا بص وراه،
ولا فكّر للحظة إنها بقت لوحدها في مدينة عمرها ما عرفتها.
باب الشقة اتقفل،
ودهِب لقت نفسها غريبة…
في بيت غريب،
مع واحدة أول مرة تشوفها.
بس سالي كانت بنت لطيفة قوي، ملامحها هادية وصوتها واطي: ـ اتفضلي يا دهب، ارتاحي… أكيد الطريق كان متعب.
دهب هزّت راسها بخفة،
وأول مرة تحس إن القاهرة كبيرة قوي…
وأوحش بكتير مما كانت متخيّلة.
—
سالي ابتسمت لها بحنية وقالت: ـ اعتبري البيت بيتك، وخدي راحتك خالص…
وإن حابة، شيلي الطرحة، مفيش حد غريب هنا.
دهب ترددت لحظة، وبعدين بإيد مرتعشة رفعت الطرحة السودة عن وشها.
سالي اتسمرت مكانها.
الجمال اللي كان مستخبي تحت السواد فاجأها… ملامح هادية، بشرة صافية، وأنوثة بسيطة تخطف العين من غير ما تحاول.
بس عيون دهب…
كانت حكاية تانية خالص.
حزينة، حمرا من كتر البُكا، كأنها شالت وجع أكبر من سنها بسنين.
عدّت أيام…
وبعدين أسابيع.