جارى سداد الدين ٦
وواصلت بنبرة أزدادت قساوة:
وفي كل مرة بعتيني بدالك.. حقدت عليكي أكتر! لأن الوقت اللي أنا بتمني فيه أمي تكون عايشة واتنعم في حنانها ورضاها وأبقى تحت رجليها.. انتي كنتي بتهربي من مسؤليتك ناحية أمك وتبعتينا مكانك! ماتعمليش قصادي ملاك ..أنتي كمان نفس القسوة والجحود!
أطرقت فريال برأسها وبدأت دموعها تتجمع بمقلتيها مهددة بالسقوط، نعم هي لم تختلف كثيرا عن جحود زوجة أبنها.. ربما عايدة لديها مبرر نفسي تحكم بها وجعلها تتصرف هكذا
أما هي ما مبررها لتهمل من فنت العمر عليها..!
مسحت العبرات وتماسكت، وعادت نبرتها القوية لتُتم ما جائت لأجله:
_ واديكي انتقمتي.. بس من حد مالوش ذنب.. وخسرتي جوزك وبيتك وولادك!
وأخيرًا تفتت قشرة القسوة والجمود والبرود الذي تسلحت بهم عايدة، وأنهارت ببكاء مرير بعد.. وظهرت أمامها شديدة الهشاشة والضعف.. مجرد أم حُرمت من أطفالها.. وزوجة لفظها زوجها.. عايدة. تحتاج يدا حنونة تربت عليها وتساعدها على تصليح أخطائها ومعالجة ندوب روحها الخفية.. وهي لن تبخل عليها.. ستؤازرها حتى تُظهر تلك النقطةِ البيضاء داخلها وتزيل كل أثر لسواد ماضيها الأليم!
نهضت من مكانها واقتربت منها.. ثم جذبتها عنوة لأحضانها وراحت تربت على ظهرها وتهدهدها بحنان:
_ كل حاجة هتتصلح يابنتي..أنا مش هسيبك هرجعك تاني لبيتك وولادك.. هتاخدي فرصة تكفري عن ذنوبك وترجعي جوزك ليكي.. محدش معصوم من الغلط ..أنا وانتي ورجاء كلنا غلطنا.. بس المهم نندم ونصلح اللي كسرناه قد ما نقدر.. أوعدك ياعايدة إني هساعدك بكل قوتي وهكون في صفك لحد ما خالد يرضى عنك تاني!
أهكذا يكون مذاق عناقها…؟!
گ عناقِ أمٍ فقدتها بطفولتها البعيدة!
لما لم تنعم عليها بهذا الإحساس من قبل؟! لما لم تعطيها تلك الجرعة من الحنان.. ربما كان طغى حنانها على قساوة ماضيها وأطفأت نار حقدها..!
طوقتها عايدة بذراعيها وتشبثت بها بقوة وكأنها طوق نجاة، وهي تردد ونكهة العبرات تغلف صوتها:
عمري ما احتاجت الحضن ده زي دلوقت.. ياريتك عاملتيني كده من زمان.. واخدتيني في حضنك ودوقتيني الأحساس ده!
فضمتها فريال أكثر: أوعدك إنك هتكوني زي بنتي..وزي مارجعت رجاء.. هرجعك!
ثم ابتعدت عنها قليلا وهتفت: قومي نمشي.. ولادك وبيتك مستنينك.. وخالد مسيره يغفرلك مع الأيام!