صفقة زواج ٣

 

الفصل السابع والعشرون

​أراد أن يأخذ حقها وينتقم لها أولاً ممن ظلموها، فكر كثيراً في وسيلة للانتقام ورأى أن أشد الانتقام أن تنتقم من خصمك بنفس طريقته لكي تجعله يذيق نفس الألم ولكن الطريقة ستكون مختلفة قليلاً.
أخبرها بأنه ينتظرها في منزله من أجل أمر هام، وإذا لم تأتِ فسيقلب كل شيء على عقبيه، اضطرت أن تذهب إليه لترى ماذا يريد منها، فتلك الاتفاق انتهى منذ أشهر وأصبح كل منهم في حاله.
رندا بضيق: عايز إيه يا شادي، أظن إننا اتفقنا كل واحد ينسى الثاني وحتى لو شافه في مكان يعمل نفسه ميعرفهوش ولا يعرفه.
شادي بابتسامة خبيثة: حبيت أشوفك، أصلك بجد وحشتيني موت يا رندا.
رندا بضيق: إيه وحشتيني دي، احترم نفسك ومش معنى إني جيتلك يبقى خلاص.
شادي وهو يقترب منها: في إيه يا حبيبتي، براحة بس على نفسك، أقولك بصراحة أصل بجد من يوم ما شوفتك وانتي بجد عاجباني وعايز نقضي ليلة مع بعض.
رندا بعصبية وتبتعد من أمامه لكي تذهب: لأ أنت أكيد اتجننت، ابعد كدة واللي عايز تعمله اعمله أنا مبتهددش وعايز تقول لكريم وماله قوله وشوف بقى هيصدقك إزاي.
شادي ويكون أسرع منها ويغلق الباب: ههه انتي فاكرة الدخول زي الخروج يا حلوة، وبعد يقترب منها ويقبلها قبلات متلاحقة، كانت تحاول الابتعاد عنه ولكن
رندا: ابعد يا حيوان، ابعد بدل ما أصرخ وألم الجيران.
شادي بابتسامة مستفزة: وماله يا حبيبتي صرخي، ولا يهمني وعامل حسابي، وبدأ يضغط على زر ريموت التلفاز وأصبح صوته يغطي على صوت صراخها.
ظلت تصرخ وتصرخ ولكن بدون فائدة حملها بعنف بعنف وأخذها إلى غرفة نومه وبدأ يفعل بها ما أراد، إلى أن
رندا ببكاء: أنت حيوان، منك لله، منك لله.
نظر لها شادي ببرود وهو يرتدي ملابسه: دلوقتي عرفتي ربنا، بعد ما اتهمتي واحدة في شرفها وياريت بذنب كل ده عشان عينك على جوزها وعايزة تاخديه منها، أنا بقى حبيت أوريكي نفس الشعور اللي عملناه فيها فاكرة ولا أفكرك.
ظلت تنظر إليه بانكسار وبدأت ترتدي ملابسها وأخذت حقيبتها ورحلت ودموعها تتساقط.
نفس الغرفة ونفس الشقة ونفس المكان ونفس الحالة، وكأن الأيام تدور.
ركبت سيارتها وظلت تبكي بهستيريا.
………………………………………….. ………………
جلس ينتظر صاحب الاتصال المجهول، الذي أصر على طلب مقابلته كان يقف بجانب سيارته في أحد الأماكن البعيدة، وكأنه كان يعلم أن ما سيدور بينهم يحتاج إلى مثل هذا المكان.
ظل ينظر إلى الشخص القادم إليه، ظل يتأمله ولكن لم يستطع التعرف على شكله.
اقترب شادي منه ومد يده له: أنا شادي.
ظل كريم يدور في باله هذا الاسم فهو قد سمعه سابقاً، نعم هو اسمه، ظل ينظر إليه ويتفرسه، مد إليه يده ليس ليرحب به بل ليخرج فيه كل ما بداخل قلبه.
شادي بخنقة وبدأ يتنفس بصعوبة: سيبني لو سمحت دلوقتي وبعد كدة خد حقك زي ما أنت عايز بس لازم تسمعني.
كريم وبدأ يخفف من قبضته عليه: أسمع، أسمعك إزاي عايز تقولي إيه ها فاهمني تقولي إن مراتك كانت بتخونك معايا ها.
شادي: لأ مراتك مظلومة، اسمعني أرجوك متعملش زي ما عملت معاها، وضيعتها من إيدك ومدتهاش فرصة حتى إنها تدافع عن نفسها.
ابتعد كريم عنه قليلاً، وبدأ يستمع لشادي، ظل ينظر له وهو يتحدث كان كل كلمة يقولها يشعر بمدى حقارته، شعر بأن الدنيا بدأت تضيق وتخنقه، كيف فعلا ذلك فيها كيف ظلمها وطردها يعلم تماماً بأن ليس لها أحد، كانت تعتبره كل شيء في حياتها وعدها ألا يخذلها وها هو الآن قد خذلها.
كريم: وليه جاي دلوقتي تقولي، بعد ما ضاعت مني.
شادي وبدأ يمسح فمه من الدماء: متجبش اللوم عليا، أنت كمان مدتهاش فرصة تدافع عن نفسها اتهمتها ووجعتها من غير ما تسمعها مع إنك المفروض تكون عارف مراتك كويس وواثق فيها.
أنا بكدة أكون عملت اللي عليا، وقولت الحقيقة عارف إني كنت غلط في حاجات كتير وعملت حاجات كتير غلط بس كل واحد وليه ظروفه اللي أجبرته يعمل كدة، دور عليها يا كريم قبل ما الأوان يفوت عشان تقدر تسامحك.
تركه وذهب، ظل ينظر عليه إلى أن رحل بسيارته.
………………………………………….. ……………….
أغلقت هاتفها، وظلت حبيسة غرفتها في الظلام، دخلت عليها والدتها كانت سيدة كبيرة في السن.
والدتها: مالك يا رندا قاعدة كدة، ومروحتيش شغلك ليه يا حبيبتي ده انتي عمرك ما غبتيه منه.
رندا وتحاول أن تكون طبيعية أمام والدتها: تعبانة شوية يا ماما.
والدتها باستغراب فهي دائماً تواظب على عملها حتى لو كانت مريضة: خلاص يا حبيبتي ارتاحي وأبقى أكلمك في الموضوع يوم تاني.
رندا بانكسار: موضوع إيه يا ماما، انتي عايزة فلوس أو حاجة.
والدتها: لا يا حبيبتي، ربنا يخليكي ليا، بصراحة عمتك جيبالك عريس وعايزاكم تتقابلوا وبتقول عريس لقطة الصراحة.
عندما سمعت رندا ذلك: مش عايزة أتجوز، أنا قولت مش عايزة أتجوز وياريت محدش يفاتحني في الموضوع ده تاني.
اندهشت أمها منها، واقتربت منها وأخذتها بين أحضانها بحنان: يا حبيبتي أنا نفسي أفرح بيكي أنا ماليش حد غيرك، بعد ما أبوكي سابني وراح اتجوز عليا.
رندا ببكاء: لو سمحتِ يا ماما، ياريت تقفلي على السيرة دي، أنا تعبانة وعايزة أنام.
والدتها: حاضر يا حبيبتي، ثم تركتها وغادرت وهي تشعر بأسى على ابنتها.
ظلت تنظر حولها بأعين باكية، وهي تتذكر ما حدث ليلة أمس.
………………………………………….. ……………….
خير يا شادي طلبت إنك تقابلني.
ظل ينظر إليها لبعض الوقت، ثم: عملت أول مرة في حياتي حاجة صح، ثم بدأ يتذكر رندا فعندما فعل الصح لأول مرة كان مقابله العكس.
ياسمين: المهم إننا نلاقي فرح، صح الحقيقة بانت بس اللي اتظلم مبقاش موجود عشان يشوف براءته.
شادي بحزن: ياسمين ممكن أطلب منك طلب.
نظرت له ياسمين باستغراب: اطلب يا شادي.
شادي: ياريت تسامحيني يا ياسمين، أنا ظلمتك كتير معايا، وعشان مش عايز أظلمك معايا تاني مش عايز أصلح ذنبي وأتجوزك عشان عارف إني إنسان ميصلحش إنه يكون في يوم أب أو زوج.
ياسمين: أنا مسامحاك يا شادي المهم ربنا هو اللي يسامحك، وإذا كنت حاسس بالذنب تجاهي فأنا كمان حاسة بالذنب تجاه نفسي عشان اتعلمت وفوقت متأخر بس مش مهم المهم إني فوقت، ولو شايف نفسك إنك مش هتكون زوج وأب سوي أنا برضه شايفه إني مقدرش أكون زوجة وأم سوية.
شادي وبدأ يشعر بالذنب أكثر تجاهها: صدقيني يا ياسمين ظروفي وحياتي كانت أقوى مني، خليت مني إنسان حقير وندل يمكن لو كانت حياتي وظروفي غير كدة، كنت بقيت إنسان تاني.
ياسمين: إحنا اللي بنختار نكون كويسين أو لأ، كان عندي أكبر مثال فرح بالرغم إنها عاشت من غير أم وفي رعاية مرات أب ظالمة دايماً بتعملها زي الخدامة، بس هي فضلت محافظة على نقائها متحولتش لإنسانة ناقمة على حياتها وكارهة الناس بالعكس كانت بتقابل دايماً الإساءة بالحسنى والخبث بالطيبة مع إني كنت شايفة كل ده بس كنت زيك ظروفي خلتني إنسانة كارهة حياتها ومش إنسانة أنانية قلبها مليان حقد وغيرة، متستغربش إني بتكلم عليها كدة لأن أنا بجد اتعلمت منها حاجات كتير بس للأسف متأخر أوي بعد ما كان الدرس صعب أوي وبعد ما هي اختفت عن حياتنا وعايزة أقولك حاجة افتكرها دايماً يمكن ده يكون آخر لقاء بينا (من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) صدق الله العظيم.
عن إذنك.. ذهبت ياسمين وتركته وهو شارد في حياته، شارد في كل شيء فعله، فالظروف ليست مبرراً بأن تكون شخصاً سيئاً، تحاسب الناس وتعاقبهم بسبب أناس آخرون قد خذلوكم.
شادي بأسى: عندك حق ياسمين، بس كلامك جه متأخر أوي.
………………………………………….. ………
كان يضع رأسه على رِجْلَي أمه، ولأول مرة منذ أن كان طفلاً يبكي بين يديها هكذا، ظلت تربت على كتفيه وتبكي معه في صمت.
أمينة بحنان: في الدنيا لازم نمر بمحطات كتير عشان نتعلم إزاي نكمل حياتنا، المهم إننا نتعلم ونلحق اللي ممكن نضيعه من إيدينا، أنت فعلاً اتسرعت وظلمت من غير ما تسمع وكان لازم تتعاقب يا حبيبي عشان تعرف عواقب الظلم قد إيه بتكون صعبة، وبالذات لما بنكتشف إننا ظلمنا واتهمنا أقرب الناس لينا من غير حتى ما نسمعهم أو نديهم فرصة.
بدأ يرفع وجهه من على رِجْلَي والدته: خايف إن ربنا يعاقبني، ويحرمني منها، أنا ندمان يا أمي أوي بس ندمي جه متأخر متعرفيش قد إيه أنا بتعذب وأنا معرفش هي راحت فين وعايشة إزاي حاسس إني بقيت ميت.
أمينة بدموع على حال ابنها: زي ما ربنا أراد إنكم تكونوا لبعض، يمكن تتجمعوا من أول وجديد تاني، بس أوعى تيأس.
كريم: عارفة يا أمي أنا بدور عليها من ساعات أول يوم طردتها، كنت ناوي إننا نطلق بس بهدوء وأديها كل حقوقها، كان هيبقى صعب عليا إننا ننفصل بس كنت موجوع أوي.
كانت تقف خلف الباب وتستمع إليه، كانت خائفة أن يفتضح أمرها ويعرف بأن لها دور في تلك اللعبة الحقيرة.
………………………………………….. ……….
ذهبت إلى عملها، وهي تحاول أن تكون قوية كما اعتادت وعندما وصلت الشركة.
كريم: آنسة رندا، ممكن لحظة.
دخلت إليه في مكتبه، ووقفت أمامه وهي تحاول أن ترسم ابتسامة على شفتيها.
ظل ينظر إليها بأعين كالصقر، اقترب منها قليلاً وقال بهدوء: احتراماً للعشرة، تسيبي شغلك في الشركة بكل هدوء.
رندا بدموع: ليه، هو أنا عملت حاجة؟
كريم بحدة: لأ أبداً معملتيش حاجة خالص، اتفضلي اطلعي بره.
​خرجت رندا، وجمعت بعض أشيائها المهمة ورحلت ولأول مرة تخرج مكسورة مهزومة.
جاء عمر إليه، بعد أن رأى رندا خارجة أمامه تبكي.
عمر بقلق: في إيه يا كريم؟
جلس على كرسي مكتبه وبدأ يرجع رأسه للخلف ويغمض عينيه بألم: هحكيلك على كل حاجة بس ألاقي فرح الأول، ساعدني يا عمر إننا نلاقيها في أسرع وقت.
عمر بحنان: إن شاء الله هنلاقيها يا كريم.
………………………………………….. ……………
كانت تجلس تنتظر متابعتها عند الطبيبة، جلست بجانبها فتاة يبدو أنها في أواخر شهورها.
الفتاة بتعب: انتي في الشهر الكام؟
فرح وتضع يدها على بطنها الصغيرة: في الخامس.
الفتاة: ربنا يكملك على خير.
فرح: يارب أنا وانتي، بدأت الممرضة تنادي على اسم فرح استأذنت منها وذهبت.
في تلك الأثناء جاء زوج تلك الفتاة، وكان
أحمد بحب: خلصتي يا حبيبتي؟
زوجته: آه يا حبيبي، بس قولت أستريح شوية عشان حسيت بشوية تعب بعد ما خرجت من عند الدكتورة.
أحمد بحنان وهو يقبل يدها: هانت يا حبيبتي مش فاضل غير شهر، وتشرف بنوتتنا الجميلة فرح.
ابتسمت له وقالت بحب: تصدق نفسي أشوف فرح دي وأتعرف عليها، عشان أعرف مين اللي جوزي حبيبي دايماً بيحكيلي عنها وعن أخلاقها.
أحمد ويمسك يدها بحنان: طيب يلا بينا عشان نروح زمان ماما قلقانة وعايزة تطمن عليكي.
أمسكت يد زوجها وتشبثت به، وعندما أداروا وجههم ناحية الباب لمغادرة العيادة.
فرح بابتسامة وهي تتذكره: أحمد، يااه قد إيه الدنيا صغيرة، يعني دي زوجتك اللي كنت بتكلم معاها، ظلت تنظر عليهم بحب.
وقالت بتمني وهي تتذكر حياتها السابقة مع زوجها وحبيبها: ربنا يسعدكم دايماً ويديم عليكم الحب.
………………………………………….. ……………….
أنا مش مصدقة نفسي، حمد لله على السلامة يا حبيبي، وظلت تبكي وهو بين أحضانها.
أدهم بحب: خلاص بقى يا هدهود بطلي عياط، أنا جيتلك أهوه يا ستي ولا أرجع تاني؟
هدى: لأ خلاص يا حبيبي مش هعيط، المهم ما تبعدش عني.
علي بحب واشتياق: وحشتني أوي يا بني، ولا أقولك يا دكتور أدهم.
أدهم بحب وهو يقبل يد والده: وحشتني أوي يا دكتور علي.
كانت واقفة تنظر إليهم بفرحة لفرحتهم، فها هو ابنهم الغالي قد عاد إليهم كانت سعيدة لحالهم، قررت الذهاب لأعلى لكي تتركهم ولكن
أدهم: انتي فرح صح، إزيك؟
فرح بخجل: حمد لله على سلامتك يا دكتور أدهم.
أدهم وقد أحس بخجلها: الله يسلمك، بس دكتور إيه، أنا أدهم بس يا بنتي.
فرح وقد أحست بأنه شخص لطيف، ابتسمت له وصمتت.
علي وهدى: فرح بقى يا أدهم كانت مالية علينا البيت في غيابك، وإن شاء الله هتفضل مالياه علينا هي والبيبي الصغير ونبقى نينة وجدو.
أدهم بدعابة: ونسيتوني أنا شكلكم ولا إيه؟
فرح: ربنا يخليكم ليهم.
أدهم: ربنا يخلينا ليهم إحنا الاتنين، ثم قال بدعابة: يعني انتوا بقيتوا جدو وتيتة وأنا إيه مش هبقى خالو؟
هدى: عقبال ما نشوف عيالك أنت كمان يا حبيبي ونفرح بيك.
أدهم بدعابة وهو ينظر لفرح: الحق أنا أطلع أوضتي، لتقولي اختارنالك عروسة.
هدى: شوف الواد ماشي اهرب اهرب، ثم تنهدت بفرحة وهي تنظر لزوجها الذي يضحك على دعابة ابنه: الحمد لله إنه رجع لينا بالسلامة.
………………………………………….. …………….
في إيه يا رندا، مالك بتقولي إيه طردك طب ليه آه أنا عرفت إنه عرف الحقيقة وكنت فاكراه عرف منك، وقبل أن تكمل كلامها وجدته يقف خلفها وينظر لها.. سقط الهاتف من يديها.
ووقفت صامتة تنظر إليه بخجل لا تعرف كيف ستبرر ما فعلته.
ماجدة بارتباك: أنا.. أصل..
كريم بهدوء: متخافيش يا خالتو، أنا أستاهل كل اللي حصلي، عشان للحظة صدقت لعبتكم واتخليت عن مراتي..
ثم نظر إليها نظرة طويلة، ورحل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *