عشق لاذع ٦
بعد فترة خرجت الطبية من غرفة العمليات، توقف جواد متجهًا إليها فيما أسرع عز يتوقف أمامها
-ايه يادكتورة، جنى عاملة إيه
رفعت نظرها بعملية وهتفت:
-للأسف زي ماخبرت حضرة الظابط، فيه طفل كان نبضه متوقف من فترة، وربنا رحيم أنه نزل طبيعي، ودا من خلال النزيف، أما الطفل التاني كان لازم ينزل ، حياة الأم كانت في خطر، كان لازم ننقذ حد فيهم ، وحضرة الظابط اختار مراته
شحبت ملامح جواد فتسائل
-بتقولي طفل كان ميت من فترة، اومأت له الطبيبة
-للأسف يافندم، الطفل مكنش لازم يعيش لأنه مشوه، والتاني نبضه ضعيفه
-الأم حالتها إيه ؟! تسائل بها عز بقلبًا ينتفض خوفًا
-الأم كويسة، هتتنقل اوضتها بعد شوية، بس لازم ترتاح معانا فترة
اومأ برأسه متفهمًا ثم تحركت ..اتجه عز خلف أخته الذي خرجت متجهة لغرفة أخرى..دلف خلفها، انحنى يطبع قبلة حنونة فوق جبينها هامسًا لها
-حمد الله على السلامة حبيبة اخوكي..مسد على خصلاتها ينظر للممرضة
-فين حجابها ..اعدلت الممرضة من وضع فراشها حتى ترتاح بنومها مردفة
-جاتلنا من غير حجاب يافندم ..دلفت عاليا إليها ، وصلت أمام الفراش وتسائلت
-هي هتفوق إمتى لو سمحتي
-نص ساعة بالكتير..ولو احتجتم حاجة دوسو على الجرس دا
اقتربت منها تطالعها بهدوء بدخول جواد، تطلع جواد إلى عز قائلا:
-سبوها ترتاح ياعز، ووقت ماتفوق لازم تكون جنبها، علشان تتجاوز الفترة دي ،رفع نظره لعمه وتحجرت دموعه
-تفتكر هتسامحني ياعمو..ربت على كتفه
-بلاش كلام دلوقتي في الموضوع دا، تعالى نسيبها ترتاح، ثم اتجه لعاليا
-خليكي جنبها لو فاقت عرفينا ..أومأت برأسها بالموافقة
تحرك عز بجوار جواد متجهين للخارج
ذهب ببصره لجاسر الذي مازال جالسًا بمكانه، كأنه لم يشعر بهم حوله..
تنهيدة عميقة غادرت ضلوعه، متجهًا إليه:
-مش هلومك ولا أقولك ايه اللي حصل ، بس هقولك اللي حصل من عمايل ايدك يابن عمي ..قالها وتحرك متجها للخارج
..هرول خلفه بيجاد
-عز !! استنى رايح فين
تحجرت دموعه تحت اهدابه قائلا
-رايح اجيب امي لبنتها، كفاية عليها كدا، جنى ممكن تموت فيها، لازم ماما تكون موجودة
امسكه بيجاد من أكتافه
-طيب أهدى دلوقتي واستنى نشوف الدكتورة هتقول ايه، بص حواليك كدا..شوفت جاسر عامل ازاي
انزل عز كفيه قائلاً دول جدال:
-وياترى مين السبب من رأيك، ماهو جاسر السبب ، قالها عز وهو يرمق جاسر
-لأ دا إنت مجنون، الدكتورة قالت إن الطفل كان مشوه، وكدا كدا كان ميت
بيجاد لو سمحت مش عايز اتكلم مع حد
قالها وتحرك للخارج أوقفه جواد
-عز…توقف بمكانه يكور قبضته حتى ابيضت ونفرت عروقه ، تحرك جواد إليه
-اطمن على اختك الأول وبعد كدا روح لباباك..
استدار برأسه :
-لازم قبل ماتفوق ماما تكون جنبها، ..قالها وتحرك
أشار لياسين
-روح ورا ابن عمك، اومأ له وتحرك خلفه..
جلس جواد بجوار جاسر ..صمت للبعض الدقائق ثم تسائل:
-ايه اللي حصل خلاها تفقد الحمل
كان متكأ على الجدار، مغمض العينين ، ودقات قلبه تتقارع بعنف خوفًا عليها
رفع والده كفه يربت فوق كتفه
فتح عيناه التي تحولت شعيراتها للون القاني من يراه يشعر بما عاني من آلامه ..طالع والده بنظرات متألمة ، ينتحب بأنين صامت وكأن أنفاسه تسحب منه ود لو عاد طفلا، و ألقى نفسه بأحضانه، يبكي حتى يشفى من جراحه..ابتلع لعابه الذي جف، وحرك شفتيه للحديث ولكن لم يقو كأن الحروف هربت ولم يعد لديه قدرة
فأغمض عيناه مرة أخرى وانسابت عبراته رغمًا عنه
جذبه جواد لأحضانه يربت على ظهره، بكى بصوت مرتفع وهتف من بين بكائه
-ربنا عاقبني للمرة التالتة يابابا، بس المرة دي موجوع أوي اوي، مش قادر اتحمل الوجع
أخرجه جواد من أحضانه يهزه معنفًا إياه
-اتجننت ياجاسر، انت راجل فيه راجل يبكي ويكون ضعيف كدا، وبعدين من إمتى بنعترض على ربنا ..
هزه مرة أخرى وأردف بحكمة:
الطفل كان مشوه ياحبيبي وكويس أنه نزل والتاني عوض ربنا فيه،
-كنت تعرف ايه اللي ورا ه دا لو كمل، مايمكن كان هيجيلك بالعذاب يابني، هو انا اللي هقولك
-أنا السبب يابابا، انا اللي فضلت أضغط عليها، لو مضغتطش مكنش حصل دا
تنهد جواد متألمًا وشعوره بالذنب يحرق احشائه فتحدث
-حبيبي مفيش حد سبب في حاجة، ربنا مسبب الأسباب، اجمد كدا وبكرة ربنا هيعوضك إن شاءالله، وبعدين الدكتورة قالت كويس أنه نزل، وكمان كان لازم تعملوا احتياطات ، معرفش ازاي الموضوع دا عداني، متعرفش ساعات جواز القرايب بيكون فيه نسبة تشوة للأجنة، ربنا يستر كمان على ربى
بس برجع واقولك كله مقدر ومكتوب، ولازم تحمد ربنا أنه نزل، والتاني عوض ربنا ياحبيبي
هز رأسه رافضا حديثه
-جنى مش هتسامحني يابابا، مش هتسامحني ابدا
-إنت عملت ايه؟!..قالها جواد مستفهمًا
استدار بجسده يتعمق بنظراته
-إنت عملت ايه، اوعى تكون نفذت الهبل اللي كنت بتقوله،
تراجع بجسده ومازالت نظراته التفحصية
-لأ .. مستحيل ، وقتها اقسم بالله ، وقف جاسر ونظر لوالده:
-من غير ماتحلف يابابا، كنت بقول كلام وخلاص..قالها واتجه بالداخل إليها ..ولج وجدها مازالت تحت المخدر، نهضت عاليا من مكانها عندما اتجه يخطو بخطوات هزيلة متجهًا إليها ..تحركت إليه متسائلة
-حضرتك كويس، رفع نظره إليها
-إنتِ مين؟!
حمحمت متراجعة خطوة للخلف قائلة
-أنا عاليا..صمتت ثم تحدثت
-مرات ياسين..ضيق عيناه
-ياسين مين؟! ابتلعت ريقها وتوقفت لا تعلم بما تخبره فهمست:
-اخوك..كأن حديثها لم يعريه إهتمام او ربما تخبط ولم يستوعب كلامها، فاتجه بصمت لفراش زوجته، تحركت للخارج وتركته
جذب المقعد وجلس بجوارها ، رفع كفيها المغروز بالأبر، ثم لثمه وعبرة نارية كوت وجنتيه فانحنى يضع جبينه فوق جبينها
-جوايا نار ياجنى، جوايا نار وخايف تولع فينا، معرفش مين فينا الغلط، أنا واللي إنتِ، بس اللي متأكد منه اني مقدرش اتنفس وانتِ بعيدة عن حضني
ارتسم الألم داخل مقلتيه، ثم رفع كفيه يمسد على خصلاتها ، وتحدث بقلبًا ينزف داخليًا
-للأسف بنتعاقب على غضبنا من بعض
دنى منها يهمس لها
أي عقاب بينا أنا قابله ياجنجون إلا إنك تبعدي عني، ولسة حسابنا مخلصش ياحبيبة جاسر ، استمع لطرقات على باب الغرفة، ولجت الطبيبة
-حمد الله على سلامتها، نهض من مكانه ..وأشار بعينيه
-هي ليه مفقتش؟!
-دقايق وهتفوق، قامت بمعاينتها الطبية
-هي كويسة بس لازم بعد ماتخف نعمل شوية تحاليل، وفيه علاج هتمشي عليه شوية قبل اي حمل جديد
-ليه!! هو فيه حاجة؟!
وضعت كفوفها بجيب بالطوها الطبي
-حضرتك النهاردة اخترت الأم، انا متكلمتش مع والد حضرتك، بس حالة المدام كانت خطرة، ولولا التدخل السريع كنا ممكن نفقدها، ومتنساش انت اخترت الأم ..مش عايزين نوصل للأختيار دا مرة تانية، الام لازم تعمل فحوصات كاملة، قبل أي خطوة جديدة، نسبة السكر عندها عالية جدا، ضربات القلب مش منتظمة للأسف، ومش هخبي عليك، العناية الألهية كانت في صالحكم
اتجه ببصره إليها وتسائل بتلعثم
-لسة فيه خطورة على حياتها؟!
هزت رأسها وأجابته:
-لأ..بس لازم تكون تحت الرعاية علشان السكر والضغط، ولازم فصحوات زي ماقولت، علشان مايحصلش مضاعفات بعد النزيف وكمان نطمن عليها
دلفت الممرضة
-دكتورة حالة ولادة ..اومأت لها ثم تحدثت بخروجها:
-متخرجش غير لما اشوفها تاني لو سمحت، لازم كشف نهائي قبل الخروج
دلفت غزل بجوار نهى
-جاسر..استدار إليهما ، هرولت نهى لأبنتها تبكي بشهقات
-ياحبيتي .. سامحيني ياقلب أمك ، نظر إليها ثم اتجه لوالدته التي توقفت أمامه تحتضن وجهه
-حبيبي ايه اللي حصل ؟!
ابتلع غصته وأجبها
-مالناش نصيب ياماما، الحمد لله..اقتربت نهى تلكمه بصدره وتبكي بإنهيار أم مكلوم على فلذة كبدها
-عملت فيها ايه، اومال لو مش كلمتك ووصيتك عليها، ليه تعمل كدا
احتضنتها غزل محاولة السيطرة عليها
-نهى اهدي حبيبتي ، يعني هو هيعمل ايه، إنتِ متعرفيش جنى ايه لجاسر ولا إيه
نفضت ذراعيها مبتعدة وعيناها تدفع الدمع بالدمع قائلة بغضب سيطر عليها
-ابنك السبب في كل اللي احنا فيه ياغزل، يارب يكون كدا ارتاح وخد حقه من بنتي..رمقته بنظرة مميتة وأشارت بكفيها
-حذرته وقولتله مراتك حامل ، قالي إيه وقتها متخافيش عليها، يومين بس ياغزل وبنتي سقطت
مسح على وجهه بعنف، وتحولت ملامحه إلى الغضب :
-طنط نهى شوفي بنتك علشان هاخدها وامشي، انا مش ناقص كلمة من حد
توقفت غزل أمامه
-جاسر أهدى يابني، دي مهما كان امها، أشار على نفسه وهتف بصوتًا كاد أن يخرجه متزنا
-وأنا مش ابنكم، أنا ايه، اللي ماتوا دول مش ولادي، اللي كانت بين الحيا والموت دي مش مراتي، ولا أنا اللي دايما محكوم عليا ، نفسي مرة واحدة بس تطلعوني مظلوم..اقترب من نهى وانحنى لمستواه
-كان فيه ولد مشوه ، والتاني خيروني بينه وبين جنى ، لأن السكر والضغط رفعوا عندها ، مطلوب مني ايه ، تقدري تقولي حضرتك ..أعتدل متحركًا للخارج
❈-❈-❈
بعد فترة
بالخارج توقف عز بجوار عمه
-مقولتش لبابا حاجة، محبتش ازعله
اومأ متفهما ..وربت على كتفه
-أنا همشي انا وغزل وانت خليك معاهم لحد مايرجعوا البيت..نظر بساعة يده
-ادخل لمامتك وغزل قولهم هنمشي علشان باباك مايشكش في حاجة
بالداخل استفاقت جنى تهمس باسمه
تحركت نهى تمسد على شعرها
-حبيبتي ، عاملة ايه..فتحت عيناها تبحث عنه فهمست
-جاسر..انحنت تطبع قبلة على جبينها
ولمست وجهها
-كان هنا ولسة خارج تلاقيه راح يجيب حاجة..أغمضت عيناها وهتفت اسمه مرة أخرى
-عايزة جاسر ياماما..استمع لحديثها على باب الغرفة، فخطى إليها ، ربتت غزل على ظهره تنظر لنهى
-يالة يانهى علشان صهيب، متخافيش عليها جوزها وأخوها معاها، وكمان ياسين ومراته
طبعت قبلة على جبينها
-هجيلك الصبح حبيبتي ، جاسر جه هنااهو، حبيبتي هسافر مع بابا بكرة، همست بجوار أذنها
-هو بيسلم عليكي، وهيعمل عمرة وحج ويدعيلك حبيبتي ، مفيش اب بيزعل من ولاده، وانا هدعيلك ربنا يسعدك مع حبيبك ، طبعت قبلة على جبينها واستدارت متحركة وعيناها على ابنتها حتى خرجت من الغرفة تبكي بصوت مرتفع
ضمتها غزل تربت على ظهرها
-وبعدهالك يانهى..خرجت من أحضان غزل
-لسة صغيرة على الوجع دا ياغزل، جنى لسة صغيرة اوي، اتحرمت من ولادها من قبل ماتلمسهم
أزالت غزل عبراتها تحتضن وجهها
-وانهي أخف يانهى، لم يكونوا بحضنها، وتشبع منهم وبلحظة يروحو، ولا لما يكونوا كدا لسة متعلقتش بيهم
استغفري ربنا يانهى
طأطأت رأسها وحزن عميق يأكل احشائها
-صعبانة عليا اسبها كدا وأمشي
سحبتها غزل وتحركت متجهة لسيارة جواد
-والله شكلك دا هيخلي صهيب يوقع من طوله
عند ياسين وعاليا
تجلس على المقعد تعقد ذراعيها على صدرها ثم التفتت إليه :
-هي مامت جنى اللي كانت هنا من شوية، أومأ دون حديث ينظر بساعة يديه، ثم استمع الى صوت خلفه
-بقالي ساعة بدور عليك المستشفى كبيرة يابني
شُحب وجهها مستديرة لصوت أخياها، توقفت أمامه بجسد منتفض، وقلبً حزين، ناهيك عن روحها التي نزفت حينما وجدته متجهًا إلى ياسين يضمه وكأنه لم يراها
-عامل ايه..ياله بينا علشان العربية متسبناش من اول سفرية
رمقها بنظرة جانبية، كانت نظراتها على أخيها تود لو تلقي نفسها بأحضانه،
تحرك يجيب على هاتفه ، فاتجهت بنظرها إلى ياسين
-انتوا مسافرين دلوقتي..نظر بساعته وأجابها :
-أيوة الساعة 2يادوب نتحرك، العريش بعيدة واحنا مسافرين عربية مش طيارة قالها بسخرية
هزت راسها وعيناها على أخيها ، ثم استدارت له مرة أخرى
-طيب ..هدخل أشوف مرات اخوك ونمشي
-لأ..قالها ياسين، ثم دنى منها مردفًا
-اتكلمت مع بابا، هتقعدي مع جنى مرات جاسر، هي تعبانة ومحتاجة حد جنبها الأيام دي، وطبعا غنى هتسافر الصبح، وربى حامل مش قدامي غيرك، أشار بسبباته
-طبعا مش هعيد كلامي صح
دفعت يديه
-خلاص هو انت متعرفش تتكلم كلمتين من غير تهديد، والله المفروض تكون المتحدث العسكري، علشان الكل يخاف منك..قالتها وتحركت ثم توقفت متسائلة :
-اخوك الحزين اللي جوا دا عارف ، ولا ايه ظروفه، أنا مبقتش فاهمة العيلة الكريمة، معرفش قلبي بيقول فيه حاجة ..اقترب منه يضغط على ذراعها
-لأ اضربي قلبك دا، علشان مش محتاجينه، وجاسر عارف، بس يارب تكوني ضيفة خفيفة الظل ، نزعت ذراعيها بقوة
-خلاص فهمت ، أشارت بعينيها على أخيها
-خلي بالك منه، طالعته بصمت للحظات ثم هتفت
-يبقى طمني عليكم ، ربنا يرجعكم بالسلامة..قالتها وولجت للداخل
توقف ينظر لآثرها، وصل كريم إليه
-زعلانة مني مش كدا..تحرك ولم يجيبه، وهناك صراع داخلي لايعلم ماهيته ..امسكه من كتفه
-ياسين بكلمك..توقف وأجابه
-مبنتكلمش كتير زي ما قولتلك ..تعرف ابوك جالنا من كام يوم
ضيق عيناه متسائلا :
-واحنا مسافرين
أومأ له ونظر لبيجاد الذي ولج بجوار عز
-وكان معاه الاتنين دول، ابوك مصدقش المسرحية، وعارف كل حاجة من طقطق لسلامو عليكوا
تذكر حديث جاسر له
-انت عبيط يالا، بدل سأل على اسمها ، اعتبر تاريخها كله هيكون عند ابوك بعد ساعة..خرج من شروده على صوت كريم
-ياله علشان منتأخرش
❈-❈-❈
بالداخل جلس بجوارها على الفراش، احتضن كفيها يضمه ثم امال يطبع قبل بباطن كفيها، رفع عيناه ينظر لنومها فهمس
-ياترى هتعملي ايه لما تفوقي ياجنى، ربنا يهديكي ومطلعيش جنانك علينا
فتحت عيناها متأوة تضعها كفيها على بطنها تهتف بخفوت
-آه بطني، استعادت وعياها كاملا تنظر حولها، وجدته يحتضن كفيها، نظرت للمحلول الذي يعلق بوريدها، ثم ذهبت ببصرها لعز الجالس يطالعها بصمت، وشعرت بآلام تغزو جسدها، وألم ببطنها، حاولت أن تحرك ساقيها ولكنها لم تقو، انسابت عبراتها بغزراة، تدفع الغطاء، تملس على جرحها ، ايه اللي حصل..توقف عز متجها إليها، بينما جاسر الذي انحنى يقبل كفيها
-حاسة بإيه دلوقتي..جلس عز بجوارها على الفراش يمسد على شعرها
-عاملة إيه ياقلب أخوكي..وزعت نظراتها بينهما، ثم حاولت الأعتدال ولكنها صرخت من الألم ..جحظت عيناها وأحست بقبضة تعتصر قلبها بعدما تداركت ما صار بها، طالعته بعيونًا مترقرقة بالدمع
-ولادنا..واحد ولا اتنين ..انحنى يجلس أمامها على عقبيه
-جنجون حبيبتي ، ربنا ماأردش..رفعت نظرها وتقابلت بعيناه التي تورمت فتحدثت:
-الأتنين!!..دنى يضم كفيها وأطبق على جفنيه، ذهبت ببصرها لعز
-الأتنين..يعني بطني دلوقتي مفهاش بيبي، مابقاش عندي بيبي، ولادي الأتنين ياعز، هزت رأسها عدة مرات تسحب كفيها
– مش عايزة أشوف حد، اطلعوا برة انتوا الأتنين..احتضن عز وجهها
-جنى ممكن تهدي..دفعت كفيه بعيدا عنها وصرخت من الألم
-قولت برة مش عايزة أشوف حد، رمقته بنظرات معاتبة
-ليه حاسة إنك بتضحك عليا ياجاسر
رفع عيناه المبللة بالدموع وهز رأسه قائلاً:
-ياريت بضحك عليكي ياجنى، ياريت
بسطت كفيها إليه
-قولي والله ، انت مابتضحكش عليا، قول ولادنا لسة بخير، أشارت بأصبعها
-طب حتى واحد بس ، أنا راضية والله راضية، قول حاجة ياجاسر،
جنى ..همس بها عز..استدارت برأسها وجهها بحر من الدموع
-جاسر بيضحك عليا ياعز، بيقول كدا علشان لسة زعلان مني، لا دا وجع كبير ، لا مش اده ، أنا مش اد الو جع دا
هزت رأسها وبكت بشهقات تصم الآذان تضع كفيها على فمها، وصاحت
-ياااااارب..قالتها بقلبًا ينزف يريد أن يتوقف عن النبض من كثرة آلامه
رفع رأسها واعدل من نومها يجذبها لأحضانه وعبراته تجري فوق وجنتيه
ورغبة جامحة لديه بإحراق كل مايجاوره فتحدثت بصوت جعلته متزنا:
-جنى دا قضى ربنا، ينفع نقول ليه، إن شاءالله ربنا يعوضنا
دقائق مرت عليه كالدهر وهي بأحضانه تبكي مرددة
-أنا عملت ايه علشان حياتي تبقى كدا، ليه دايما الوجع من حقي، انا مظلمتش حد، والله ماظلمت حد، راضية بكل حاجة
أخرج رأسها يحتويها بين راحتيه
-انتِ عمرك ماكنتي ظالمة ياحبيبتي ، دي أقدار وربنا بيختبرنا بيها ، ايه ياجنى هنقول لربنا ليه
رفعت أناملها على وجهه تزيل عبراته
تضحك بوجع ، وكأنها لم تستمع لحديثه، وعبراتها تنسدل على خديها قائلة
-الاتنين..خسرت الأتنين ياجاسر، ولادي الأتنين ..انسابت عبراتها تغزو وجنتيها، أكثر وأكثر وتحتضن بطنها مرددة
-الأتنين..ولادي الأتنين، ، طيب حق وجعي حتى، حق فراقنا ياجاسر، حق قلبي المكسور، مددت أناملها لجرحها
-حق الجرح دا اللي كل مااشوفه افتكر ، اني مفرحتش حتى، حقي حتى لو في نظرة بوش واحد فيهم، حق حبي ووجعي منك، وضعت رأسها بصدره وضربت على صدره
-حقي منك يابن عمي، رفع يديه بإرتجاف يضعها على رأسها
-جنى حبيبتي ، بصيلي ياقلب جاسر
-مش يمكن ندخل الجنة بيهم، مش يمكن لو جم يحصلنا حاجة، أو يحصلهم حاجة، ربنا شايفلنا خير احنا مانعرفش عنه حاجة
-جاسر..قالتها ونظراتها تتعمق بعينيه فتحدثت:
-ولادك اللي كل شوية تقول ، ولادي ، اهم حاجة عندي..ولادك ياحضرة الظابط ربنا حرمني منهم حتى قبل مااشوفهم، تفتكر ليه
دنى برأسه يلتقط كريزيتها يمنعها من تفوه شيئا آخر ..ابتعد عز متجها للنافذة والحزن يأكل بصدره على حالة أخته
ضم وجهها يضع جبينه فوق جبينها
-عرفت ليه ربنا عمل كدا ياجنى، علشان قدرك مكتوب بقدري يابنت عمي
هزت رأسها رافضة حديثه
…آه خرجت من عمق آلامها تبكي بشهقات مرتفعة قائلة
-مبقاش فيه قدر يابن عمي، مابقاش فيه حتى اللي يربطنا
ضم رأسها لأحضانه يهمس لها
-جنى ارجوكي بلاش تعملي فيا كدا، علشان خاطري..شعرت بألمًا شديد، فصرخت متألمة، تصرخ
وآآه زلزلت بها جدران المشفى.. ضمها يسأل بلهفة
-فيه إيه..ضمت بطنها تبكي ..وآه هزت بها جدران المشفى، حتى هب من مكانه فزعًا
-شوف الدكتورة ياعز لو سمحت، تشبست بقميصه تبكي وتبكي إلى أن جفت دموعها، ولجت عاليا بعدما استمعت لصوت بكائها، بدخول الطبيبة التي قامت بالكشف عليها
-لازم أخدها على جهاز السونار، بعد إذنكم..توقف أمامها
-ايه اللي حصل، وايه الدم دا كله
-لو سمحت عايزة اشوف شغلي..قالتها تستدعي المسعفين لنقلها، حملها بين ذراعيه بعدما وجد شحوب وجهها وهدوئها المفاجئ..وضعت رأسها بعنقه هامسة له
-هموت قالتها وهي تغلق عيناها كالذي فارق الحياة..توقف عن الحركة وكأن جسده شل ولم يعد لديه القدرة على الحركة من كلماتها، فضمها بقوة لأحضانه عندما شعر ببرود جسدها
-جنى..بلاش تموتيني حبيبتي ، سمعاني ياقلب جاسر، افتحي عيونك حبيبي..حالتها شقت أضلعه شقًا، حاول تمالك نفسه فتحرك متجها إلى غرفة الكشف
توقف أمام الطبيبة التي كانت تفحصها من خلال شاشة السونار ..فتحدثت بهدوء رغم قلبها المضطرب
-هندخلها عمليات تاني، نشوف ايه اللي حصل..امال بجسده على مكتبها
-ايه اللي حصل مبحبش اللف والدوران، سبب النزيف ايه
ابتلعت ريقها وتوقف متجهة للخارج
-ماقولت لحضرتك ياحضرة الظابط
أشار لها بالتوقف
-متقربيش من مراتي، صرخ بها بدخول عز وعاليا..
❈-❈-❈
نهض من مكانه وتحرك للخارج سريعا، لم يعد لديه قوة لمجابهة كل هذا، اصطدمت به غنى ، توقف أمامها للحظات، وتقابلت نظرات محملة بالعتاب من كلاهما، فاقتربت منه ودموعها تسبق نظراتها، ولم تفكر في شيئا فألقت نفسها بأحضانه تبكي بنشيج مرير
-أنا اختك غصب عنك، وبنت جواد الألفي وانت حبيبي وروحي ودا غصب عنك، سواء رضيت ولا لأ..تراجع بيجاد للخلف يترك لهما مساحتهما الخاصة
-غنى ، جنى تعبانة ..خرجت من أحضانه
-يعني ايه، ماما قالت إنها كويسة، وفاقت
تراجع بعيدا يحمل هاتفه ..لحظات يقوم الأتصال بأحدهم
-دكتور يونس.
بمنزل يوسف البنداري
.اعتدل يونس بنومه، فأجابه بصوت متحشرج من النوم
-أيوة ياجاسر، أنا
نظر بكافة الإتجاهات وتحدث بقلبًا مفطور
-محتاجك بمستشفى الألفي لو سمحت، مراتي سقطت حملها، والنزيف مابيوقفش والدكتورة عايزة تدخلها عمليات تاني
اعتدل يستمع إليه بإهتمام، نظر بساعته أنها بتمام الثانية ليلًا، فأجابها
-لا حول ولا قوة إلا بالله العلي..نص ساعة بالكتير وأكون عندك إن شاءالله
اعتدلت سيلين من نومها
-في إيه يايونس..هبط من فراشه
-مرات جاسر الألفي سقطت حملها، وعندها نزيف، ضغطها كان عالي وسكرها مش مظبوط، ربنا يستر …قالها واتجه للمرحاض
جلست سيلين على الفراش تجمع خصلاتها، ثم تنهدت قائلة
-اللي بتفهم ماتتجوزش دكتور نسا ابدا، خرج على حديثها متجها لغرفة الملابس
-نامي ياسيلي، وبلاش كلامك العبيط ، بقولك الست سقطت ، كانت حامل في توأم
نهضت من فوق الفراش متجهة له
-حالتها صعبة اوي ..هز كتفه بعدم معرفة
-هروح وأشوف، طبع قبلة على جبينها
-آسف حبيبتي نسيت اعمل الفون سايلنت، ومقدرش أقول لحد لا
اومأت متفهمة، ثم تحركت بجواره للخارج
-لأ أنا كنت هقوم علشان اصحي الولاد، عندهم كويز النهاردة
-لسة بدري حبيبتي ، خليها بعد الفجر
طبع قبلة وتحرك
ولج للداخل ينظر لغنى
-هاتيلها لبس وحجاب ياغنى، فيه دكتور كلمته هيجي يشوفها
ربتت على كتفه
-متخفش إن شاءالله هتلاقيه حاجة بسيطة، دلفت الطبيبة
-عايزن نعمل فحصوات
هز رأسه رافضًا:
-لأ طبعًا ..متشكر لحضرتك..أشارت عليها
-لو سمحت لازم نعرف سبب النزيف إيه
-بيجاد قول للدكتورة متشكرين، قالها وهو يحمل جنى متجهًا لغرفة أخرى
وصل يونس بعد فترة وقام بفحصها
-كالعادة جزء من الجنين مع الانيميا الحادة ياجاسر، ازاي مراتك وصلت للحالة دي ..فيه ست حامل يبقى الهيموجلوبين عندها 7
-الدكتورة هتعملها اللازم متخافش ، والعلاج دا علشان يظبط السكر والضغط ..ممنوع الضغط النفسي والعصبي نهائيا، وياريت متبقاش لوحدها، كتير ممكن يحصلهم انتكاسة،
اومأ متفهما ..تحرك يونس مغادر..أما جاسر الذي اتجه لربى وغنى
-مش عايزكم تسبوها لوحدها ولا دقيقة..ابتلعت عاليا ريقها مردفة
-أنا مش هسبها متخفش، خلي الدكتور ترتاح علشان الحمل
-شكرا..قالها وتحرك إليها
بعد أسبوع
ولج إليها بمقلتين تغشاها الدموع وقلبًا يتهشم من الوجع والحزن بآن واحد، دنى من فراشها وروحه تأن بأنين نازف وينخر الألم عظامه نخرًا عميقًا..توقف عز عند دخوله يطالعه بوجه كأنه لوحة من الألم، وتحرك للخارج..وصل لفراشها وتمدد بجوارها يجذبها لأحضانه يدفث وجهه بخصلاتها ..وآه حارقة خرجت من جوف حسرته يهمس أسمها..كانت كطائر مكسور الجناح لا حول لها ولا قوة عيناها خاوية من الحياة ..نظرات ضائعة وحياة بائسة كتبت عليهما ..هل بالفعل عشقهم عشق لاذع أم ظُلم الوصف بحضرتهم
رفع كفيه يمسد على خصلاتها بحنان يجذبها إليه بقوة يذيب ضلوعها كأنها ستهرب منهم
اعتدلت تبتعد عنه وقامت بنزع محلولها وهمست
-خلينا نرجع على البيت، مبقتش عايزة أفضل هنا أكتر من كدا
رفع كفيه يمسد على شعرها فابتعدت تنزل من فوق الفراش
-هترجعني على البيت ولا أمشي أنا
-جنى..همس بها ..ابتسمت بوجع
-روحني يابن عمي، ولا أقول ياحضرة الظابط، اختار انت علشان نعرف نتعامل مع بعض الفترة دي ..
ابتسم لها ثم رفع كفيها
-ينزع محلولها، ثم احتوى وجهها يلثم جبينها
-هنرجع بيتنا وننسى اللي فات، ونبدأ صفحة جديدة
ابتعدت للخلف
-مبقاش ينفع ياجاسر، أنا لازم ابعد وانت تنسى وتعيش حياتك مع مراتك زي ماقولت، انا دايما تعباك، وانت اتاكدت اهو ربنا مريدش نكون مع بعض
-اجهزي ياجنى مش عايز اتكلم في حاجة دلوقتي ، خفي الأول وبعد كدا نتكلم
بعد شهرا
بمكتبه ولج إليه العسكرى
-سيادة العقيد طالب حضرتك ياباشا في مكتبه
أومأ برأسه وأشار بكفيه لخروج العسكري..مسح على وجهه وأمسك هاتفه يعيد الأتصال بها
كانت تقف أمام المرآة تنهي زينتها، التفتت ببصرها لهاتفها، ثم التقطته متنهدة وقامت بفتح الخط
-نعم ..
صرخ بها بجنون
-اتصلت بيكي كام مرة مابترديش ليه
وضعت الهاتف أمامها وجلست على أمام المرآة
-مكنتش موجودة ، كنت باخد شاور
نهض من مكانه..افتحي الكاميرا، وبقولك
-اسلوب البرود دا بلاش منه علشان منتعبش ..ضغطت على الكاميرا تطالعه بغضب
-على مااظن أننا اتفقنا على كل حاجة ، جاي دلوقتي تغير كلامك ليه
-جنننننننى ..أردف بها من بين أسنانه
اشتعلت حدقتيها بجنون وهتفت غاضبة
-لو سمحت يابن عمي نتكلم في حدود المنطق،
-عارفة ولو خرجتي هعمل فيكي ايه
انحنت تقترب من الهاتف تنظر إليه بابتسامة ساخرة
-هات اخرك ياحضرة الظابط ، ويالة عايزة اكمل لبس عندي اجتماع
باي..قالتها وأغلقت الهاتف ثم نهضت متحركة إلى غرفة الملابس تكاد تتحرك بثبات ، فتحت الخزانة، قابلتها رائحة ثيابه، رفعت كفيها تتلمسها، وجذبت أحدى قمصانه لأنفها تستنشقه بإشتياق، ..ثم تراجعت تجلس على المقعد تحتضنه هامسة لنفسها
-وحشتني أوي، معرفش ايه الذنب اللي عملاناه علشان نتعاقب كدا
أغمضت عيناه، وتراجعت بجسدها تتمدد على الأريكة ومازال قميصه بأحضانها..استمعت لرنين هاتفها علمت أنه هو ، ولكنها لم تعريه إهتمام ، غفت بمكانها بثياب الحمام الخاصة لفترة من الوقت
نهض متجها إلى باسم..ولج للداخل فأشار إليه ، وهو يشير لبعض زملائه
-خلاص وصلنا لوكر المجرمين، وعرفنا مين الممول الرئيسي
استند على حافة المكتب
-فيه جديد غير اللي وصلنا ..اومأ باسم وأشار على خريطة أمامه
-فاكر المكان اللي اقتحمته من فترة ومكنش فيه حد
اومأ له جاسر ، فأكمل باسم
-هو نفس المكان، هم خلوه وقتها علشان عرفوا أن فيه اقتحام، وزي مااتوقعت ياجاسر ، كان فيه خاين وصلهم المعلومة
تسائل أحد الظباط
-عرفتوه يافندم..اتجه ببصره لجاسر واجابه
-جاسر عارفه، وهو عارف هيعمل ايه
دلوقتي الورق دا فيه كل حاجة عن القضية انتوا الاتنين هتشفوا هتعملوا ايه، بس مش عايز اي حركة بدون علمي
نهض حسن الظابط الآخر
-تمام يافندم ..أي أوامر تانية
أشار بكفيه بالانصراف، بينما توقف جاسر امامه
-ليه وقتها مخلتنيش اقبض عليه
اشعل باسم سيجاره وطالعه بتدقيق
-علشان اللي وراه ابن عم فيروز
كور قبضته يسبه ثم هتف
-هو ميعرفش أنه اكتشف
نهض من مكانه واتجه يقف أمامه
-جاسر، بلاش تهور، متعملش حاجة من غير ماترجعلي، القضية تقيلة، وابوك لو عرف انك اللي مسكتها معرفش هيعمل ايه، القواضي اللي زي دي بنختارلها اشطر الظباط، بس انا عندي ثقة فيك وشايف انك هتشتغل عليها كويس اوي، لازم تثبت لنفسك قبل أي حد انك تستاهل الوظيفة دي مش علشان انت ابن جواد الألفي..وبلاش شغلك اللي بتحاول تستظرف بيه وكانك غبي
قهقه جاسر وجمع أشيائه
-بسوم انا مراتي وحشاني وماليش حيل اقنعك بغبائي
-صحيح جنى عاملة ايه، ولسة العلاقة بينك وبين جواد زي ماهي
وضع سلاحه بخصره واجابه بنبرة باردة
-الأتنين زفت ، ابويا غضبان عليا، تقولش حجرت عليه، والتانية قافلة على نفسها بتحسسني هموت عليها
والتالت ..قالها باسم ساخر
-والله انت كمان الحكاية على اخرها، تحرك للخارج فتوقف على ضحكات باسم ..استدار إليه متسائلا
-ايه يابسوم افتكرت حياة ولا إيه..ألقاه باسم بالقلم
-اتلم يا حمار..غمز له متسائلا
-اومال ايه القهقه دي، احنا هنا مش بوليس الاداب يابسوم
نصب عوده وطالعه بتدقيق
-بضحك على كلمتك ، حجرت على ابويا..حك ذقنه وغمز له
-ماتيجي نحجر على جواد الألفي يالا
قهقه جاسر عليه
-هفكر في الموضوع فعلا، والله شكله عايز كدا..أخص على الصحوبية..قالها وتحرك مغادرا ومازالت ضحكاته صاخبة
تراجع باسم لهاتفه ثم امسكه وقام بمهاتفته
-عامل ايه يابوص
-نعم يااخويا، وحشتك ولا ايه
قهقه باسم عليه قائلا
-عازمك عندي في المزرعة يابو الجود، ايه رأيك ارجعلك شبابك، عرفت أن قلبك هيفلسع قريب
ابتسم جواد بسخرية
-البركة في قلبك البومب يااخويا، جاسر عامل معاك ايه، عرفت انك ورطته في قضية مخدرات ياحضرة العقيد
نقر بقلمه على المكتب وارتفعت ضحكاته
-فعلا جواد الالفي، اومال بيقولوا كنت بتموت ليه ياعم
-عقبالك ياخويا لما تموت زي
تنهد باسم وتحدث
-عارف انك زعلان مني، بس اسمعني الاول..هستناك النهاردة على الغدا
-تمام ياباسم ، هقابلك واجيب غزل معايا
أغلق الهاتف ونظر بشرود، دلفت غزل بكوب عصير
-جواد عملتلك عصير فريش
أمسك كفيها بعدما وضعت العصير
-عايزك تروحي بيت جاسر دلوقتي ، هو في الشغل
قطبت جبينها متسائلة
-فيه حاجة ولا إيه
أخرج جهازين ووضعهما أمامها
-عايزك تحطي الجهاز دا في بيته، ومحدش هيعرف يعمله غيرك، جاسر واخد باله من كل الشغالين، فطبعا مش هيشك في أمه
-ليه في ايه ..نهض يسحب كفيها وتحرك
-اعملي اللي بقولك عليه وبعد ماتيجي هقولك، بس محدش يعرف، اعملي حجة انك رايحة تطمني على جنى
توقفت قائلة
-أنا كنت فعلا رايحة اشوفها، كنت بكلمها الصبح وصوتها مش عجبني
قبل كفيها وتحدث
-رغم قولت ممنوع نتواصل يازيزو
-جوااااد ..ابتسم يضمها لأحضانه
-مقدرش على زعلك يازيزو..ياله اجهزي وخلي السواق يوصلك، وأنا هروح اشوف صهيب
فركت كفيها وتحدثت
-صهيب سافر ياجواد
توسعت عيناه بذهول
-سافر فين ؟!.
-ألمانيا
❈-❈-❈
بغرفة ربى أمسكت هاتفها الذي أعلن رنينه
-أيوة ياعز..
-عاملة إيه ياروبي..تمددت على الأريكة تضع كفيها على بطنها
-ابنك تعبني اوي ياسيدي، ومخليني مفجوعة
ابتسم حتى لمعت عيناه فهمس
-بيضربك اوي..أطلقت ضحكة خافتة
-اوي يازيزو، بيفكرني بيك
سحب نفسًا وزفره على عدة مرات
-لسة فاكرة أبوه ياروبي..ارتسم الألم داخل عيناها، وابتلعت غصتها قائلة
-هو أنا ليا غير باباه ياعز، شايف ممكن افكر في حد تاني
ارجع خصلاته وتراجع بجسده على المقعد
-ماتيجي نخرج نروح لجاسر وجنى، نحاول نقنعه يخلي جنى تيجي تقعد معايا يومين
شهقت بصوت مسموع وتسائلت باستهجان
-ازاي عايز تعمل كدا، ناسي بابا ، اكيد هيرفض، متنساش أنه معاقبها ، استأنفت حديثها
-متزعل منه ياعز، لازم يعمل كدا، جنى غلطت اوي، وكمان بعد معرفته باللي حصلها هناك
مسح على وجهه واجابها
-خلاص ياروبي هتصرف..قطعت حديثه مشاكسة إياه بعد شعورها بحزنه
-ماتيجي نخرج نتعشى وناكل ايس كريم برة ايه رأيك
نهض من مكانه والسعادة تجلت على ملامحه
-اديني خمس دقايق بس ..قالها وأغلق الهاتف
بمنزل جاسر
عاد مساءٍ من عمله
قابلته الخادمة : مدام جنى فوق ياباشا
تحرك للأعلى دون حديث ، دلف لغرفتها يبحث عنها ، قطب جبينه
-راحت فين!! نظر جانبية منه بغرفة الملابس، رأى سيقانها، ابتسم بخبث وولج بهدوء ظنا إنها مستيقظة ولكنه توقف متسمرًا، عندما وجدها تغفو بملابس الحمام، وخصلاتها تغطي وجهها بالكامل، خطى إلى أن وصل إليها ، جلس على عقبيه يزيح خصلاتها بحب، دنى منها مغمض العينين يستنشق رائحتها بوله، مر قرابة أكثر من شهر لم يراها بتلك الهيئة، مرر نظراته على جسدها بالكامل كفنان يتفنن بلوحته
ثم رفع أنامله يتحسس وجنتيها، فتحت عيناها تهمس بين النوم واليقظة
-جاسر..اقترب بوجهه
-روحه مهلكتي..اعتدلت سريعًا حتى اصطدم وجهها بوجهه، فصرخت به
-إنت إزاي تدخل كدا، نسيت نفسك ولا إيه
نصب عوده وتوقف وهو يجذب قميصه من يديها
-جاي أخد قميصي، بقالي ساعة بدور عليه، معرفش انك مستغطية بيه
نهضت تلملم البورنس عليها وهتفت ساخطة
-لأ والله ، قلة قمصان، وبعدين كان مرمي على الأرض وحطيته على الكنبة ونعست عادي يعني
دنى منها أكثر يشتم عبيرها الآخاذ، يدغدغ أوصالها بأنفاسه الحارقة التي ضربت عنقها فهمس لها
-طيب يبقى ألبسي قبل ماتنامي، فيه ناس معاكي في البيت
تحركت للخزانة والتوت زاوية فمها قائلة:
-قصدك ناس قليلة ادب معندهمش احترام بيقتحموا أوض الناس
اقترب منها بخطوات متمهلة كانت تواليه ظهرها ، ارتجف جسدها من اقترابه، وتصارعت مشاعرها بصدرها، ورغم ذلك هتفت بصوت جعلته متزنا بعض الشئ
-اطلع برة عايزة أغير، وياريت تاخد كل هدومك علشان ميبقاش عندك حجة تدخل اوضتي
دنى منها أكثر وحاوطها بذراعيه بينه وبين الخزانة، ليكمل زعزعة ثباتها المزيف ثم أمال بجسده
-سايبك بقالك أكتر من شهر تلعبي براحتك ، قولت تاخد وقتها وتتعافى ، بس الوقت دا مش علشان إنت عايزة كدا، الوقت دا علشان ارجع أشوف ضحكة جنجونة بنت عمي
رفرفرت أهدابها تحاول الخروج من تحت قبضته وانفاسه القريبة التي تهلكها، فتحدثت بتقطع
-طيب انا بقيت كويسة ، ابعد عني ..قرصها بوجنتيها
-لأ..لما اشوف ضحكتك الأول
استند برأسه على جبهتها يقرب رأسها إليه
-عايز نرجع زي الأول..ابتعدت عنه
-جاسر ابعد، مبقاش حاجة بتجمعنا، وانت اللي اخترت مش أنا
طوق خصرها يضغط عليه وتحدث من بين أسنانه:
– جنان تاني هعملك عفريت، سمعتيني، انتِ مراتي فاهمة يعني ايه ، يعني الكلمة دي خليها جوا قلبك قبل ماتوصل ودانك
رفعت رأسها وطالعته بألم طل بنظراتها
-كنت مراتك، نسيت قولت إيه، يوم ماتولدي هحررك مني، يعني انت مطلقني من يوم ماقولت الكلمة دي..
ابتعدت عنه بعدما تلاشت يديه من فوقها، وتحدثت :
-موتني بحبك، لا مش حب دا جنون، زي ماقولتلي، استدارت مرة أخرى ترمقه بنظراتها الحزينة
-أيوة أنا كنت مجنونة بحبك، كنت بعشقك وكأن مفيش غيرك في الكون، حياتي كلها كانت فيك بس، دفعته بكلتا يديها وصرخت تبكي
-بس عملت ايه، رحت اتجوزت وسبتني اموت، قلبك دق لغيري، اخدت واحدة في حضنك غيري، اقتربت منه ونيران قلبها تريد إحراقه
-وقفت فرحان بحملها، محستش بوجعي ونار قلبي، محستش بيا، وقفت تتفرج عليا وأنا بدبل، ورغم دا كله سامحتك وحمدت ربنا أنه رجعك ليا، رضيت بنصيبي وقولت كفاية عليا عوض ربنا، وعدتني انك هتكون دوا لجروحي، لكن كله كان هوى، رجعت توجع فيا وتعمل مبررات ، كنت مستني مني ايه وأنا شايفة حب حياتي في حضن طليقته
تراجعت تشير على نفسها تتنفس ببطئ بعدما شعرت بإنطباق المكان على صدرها فاستانفت بتقطع
-غلطت ..عارفة اتنيلت غلطت، بس والله ماكنت أقصد أي حاجة ، كنت عايزة ابعد وأتأكد من الراجل اللي حياتي كلها بقت له بس، عايزة اشوف أهمك أد ايه، عايزة احس إني لما ابعد عنك حياتك هتكون ازاي ..
تطلعت لعيناه وصمته وهزت رأسها بالنفي وانسالت دموعها
-رغم اني كنت بموت بس كان لازم اتحمل، علشان محسش انك واخدني مجرد جبر خاطر، عايزة احس بحبك الحقيقي مش علشان بابا طلب منك تتجوزني
جحظت عيناه يطالعها بصدمة، اومأت برأسها وشهقة خرجت من جوفها
-ايه هتنكر، هتنكر أن بابا طلب منك تتجوزني، بعد ماعرف من تقريرك المزور اني اغتصبت، بس اللي مش قادرة فهمه
-دا ايه يابن عمي، حب ، ولا إنتقام ، ولا غيرة ولا إيه بالظبط، تعالى نحسبهم من الأول كدا
-لو حب، ازاي تحب واحدة وتقنع الكل بحب تانية، طيب لو إنتقام
انا معملتش فيك حاجة علشان تنتقم مني، مستحيل تكون بتنتقم مني وانا بشوفك أحن راجل في الدنيا..مبقاش غير الغيرة ..طبعا بعد خطوبتي من يعقوب محبتش أخرج عن جاسر الألفي فحبيت تعمل أي حاجة تبعدني عنه، بس ازاي جالك قلب تعمل فيا كدا
سحبت نفسًا وزفرته من أعماقها ثم رفعت رأسها وتحدثت مسترسلة
-مبقاش بينا حاجة علشان نفضل مع بعض، واكبر دليل على كدا حتى الحمل نزل، فاعمل زي ماقولت، أنا مبقتش عايزاك يابن عمي ..ولا بقى ليك اي حب في قلبي
دنى منها مقتربا، وسهام نارية ترمقها ثم ضغط على نواجزه
-كلمة كمان هخدك ادفنك وارتاح من غباءك، مبقتش متحمل غباءك ، صبري نفد منك، انا لسة محاسبتكيش على اللي فات، ورغم كدا قولتلك نبدأ صفحة جديدة، وفي الاخر جاية تقولي كنت ..جذبها من خصرها ووضع رأسه بعنقها
-جنى مفيش حاجة اسمها كنت علشان معذبكيش بجد، كلك على بعضك ملكي انا
تطلعت إليه بخيبة وتجمدت ملامحها
-عايزني افضل على ذمتك غصب عني
اعتدل متراجعا ثم
أطلق زفرة قوية من جوفه المحترق بغبائها فأشار بسبباته محذرا وتحدث بغلظة:
-اه هسيبك على ذمتي غصب عني ،وراضي بكدا مهما تقولي، شوية الهبل دول سبيهم جوا بوقك أحسنلك
اندلعت نيران بحدقتيها وهتفت باستنكار ممزوج بالغضب
-وتقبلها على نفسك، اومال فين الرجولة يابن عمي
اقترب منها بعدما أثارت غضبه وتلاشت مقاومته ضدها ، وبحركة قاسية حملها
-هعرفك الرجولة دلوقتي يابنت عمي
مساء اليوم جلست بغرفة رسمها، تنظر لجميع لوحاتها بوجعًا لديها قدرة بإحراق جميع لوحاتها التي تحمل صوره، وضعت كفيها على قلبها هامسة
-لسه مش قادرة اكرهه، رغم كل وجعي منه، ايه الحب اللي كله عذاب وألم دا
جذبت أحد دفاترها وخطت بعض كلماته..ابتسمت اولا عندما وجدت أناملها تكتب اسمه دون وعي منها، لمست صورته بأناملها
-شكلنا مش هيفرقنا غير الموت يابن عمي ، ياترى دا حب عادي ولا حب مميت ..كل اللي أقدر اقوله
“حياة جنى.. جاسر”
وضعت دفترها ونهضت من مكانها متجهة لحمام السباحة، قامت بإلقاء مأزرها وقفزت بخفة بالمسبح
تقدم بعد خروجها وعيناها تراقب سباحتها، امال بجسده يحمل دفترها يقرأ بعض كلماتها
ما بيننا اكبر بكثير من أن يكتب متمردا..
قاسيا
ووحدي الهالكه، بعشقك اللاذع لأوردتي
هنيئا لك ملهمي..
أجل فانك جنوني وشغفي
وعشقك ينازع روحي من أجل البقاء..
ابتسم ولمعت عيناه، فرفع دفترها يستنشق رائحتها بوله، ثم أمسك القلم وخط بقلمه تحته
أنا دونك بيت بلا عنوان
معادلة ينقصها برهان
ليل تعلوه أشجان
قلب مقطوع الشريان
فؤاد معتل فيه الأبدان
كلام يغطيه كتمان
نار دون دخان
بركان يوشك على الغليان
سفينة شرد عنها القبطان
لوحة تنقصها الألوان
عالم يخلو من الأمان
ذنب دون غفران
ايا كان فإنت صك الغفران مهلكتي
أمام منزل جواد
كان ينتظرها على نار الغضب الذي احرقته بالكامل ، ترجلت من السيارة ، فاتجه إليها سريعا، يجذبها من رسغها بقسوة ، هرولت خلفه للداخل، قابلته غزل
-حبيبي فيه حاجة
-لأ..قالها وهو يتحرك سريعًا ، دفعها بقسوة داخل الغرفة، ودفع الباب بقدمه ، واتجه إليها يصيح بصوتًا كالرعد
-كنتي فين ..نهضت تطالعه بغضب
-ايه شغل الحيوانات دا
صفعة قوية على وجهها، ثم ضغط على فكيها بقسوة
-هعرفك ياحيوانة هم مين الحيوانات
دفعته بقوة تصرخ عندما اشتد آلامها
-ايه مفكرني ضعيفة واتذلك ، انا مش مكسورة سمعتني، ومستعدة أخرج للكل واقولهم سبب جوازنا، اقتربت وثبتت عيناها الباردة عليه وعكست نظرات نارية كارهة له وهتفت باعلى صوتها
-طلقني، عندي اتفضح ولا أكون مرات واحد همجي زيك
اقترب منها كالمجنون يضغط على عنقها، يزمجر معنفًا إياها
-ماهو انا هدفنك مكانك ، واحدة مش قادرة تحترم نفسها ورايحة تقابل واحد حقير زيها هستنى منها ايه
استمع لطرقات على باب غرفته وصوت والدته
-افتح الباب يا ياسين..دفعت الباب وولجت غاضبة تدفعه بقوة بعيدا عنها
مررت أناملها على عنقها تبكي بصمت وانسابت عبراتها بقوة
توقفت غزل أمامه مذهولة مصدومة مما رأته حتى شعرت بعدم توازن وتسائلت مصعوقة :
-ايه اللي بيحصل دا، انت اتجننت..تراجع للخلف ينظر إليها بصدمة ، كيف وصل لتلك الحالة، استدار متحركا للخارج مهرولا كأنه يطارد عدوه
باليوم التالي ..
بغرفة ياسين ..استيقظ على صوت هاتفه
-أيوة ياكريم، تمام هنزل بعد ساعة كدا
قالها وأغلق هاتفه
جلس يعدل خصلاته المتمردة ، ذهب ببصره لمكان نومها، لم تكن موجودة ، اتجه متحركًا للمرحاض، وجدها تجلس تنظر من الشرفة ولم تشعر به ، اكمل سيره ، خرج بعد فترة ، واتجه بنظراته إليها مرة اخرى، كلما تذكر مقابلتها لابن عمها بالأمس يكاد ينفجر من الغضب، سحب نفسًا وطرده للسيطرة على غضبه
كانت تجلس بنظرات ضائعة معذبة، تراجعت تضع رأسها على ركبتيها تنظر للحديقة..توقف أمام المرآة يصفف خصلاته قائلاً:
-ممنوع تخرجي من باب الأوضة، ألمحك برة الباب دا هعاقبك وانت عارفة عقابي ازاي
لم تعريه إهتمام وظلت كما هي ..وصل إلي يضغط على فكيها بقوة
-من الاحترام لما أكلمك تبصيلي
نفضت ذراعه بعدما آلامها وتراجعت على للخلف
-بكرهك..حقير حيوان
-هقول ايه غير إنك واحدة مش متربية، انا مش هضيع نفسي علشان واحدة باعت نفسها بالرخيص
-طلقني بدل انا رخيصة، انا مش طياق
استدار مبتسمًا بسخرية
-لأ حوشي يابت أنا اللي ميت فيك
لملم أشيائه وخطى بسيره للباب، توقف متجها ببصره إليها
-مش هعيد كلامي تاني، المرة دي عقابي مستحيل تتخيليه، قالها وهو ينظر إليها مشمئزا، ثم استأنف موبخا إياها
-احمدي ربنا اني لسة سايبك عايشة بعد اللي عملتيه ..
مساءً بمنزل جاسر
تجلس بالمياه الدافئة تغمض عيناه تحاول أن تنسى هذا اليوم الذي ارهقها، تعيد ترتيب أفكارها، تحاول جاهدة أن تحد حلا لسوء الوضع الذي تدهور بينهما ..أطبقت على جفنيها متألمة كلما تذكرت ما فعله بها بالأمس، فتحت عيناها عندما استمعت لهمسه بجوار أذنها
-ساعتين بتاخدي شاور، ايه محتاجة مساعدة، قالها وهو يحرك أنامله على ظهرها مما أصابها بقشعريرة لذيذة ، توقفت اعضائها ولم تستطع إبعاده، حتى انحنى يقبل جيدها يهمس بأعذب الكلمات
انهارت حصونها وضعفت بحضرته، فأوقها جاذبا مأزرها وهو يخبرها
-عايزك..هنا فاقت من خضم أحاسيسها فانسابت عبراتها على حياتها التي بدت باردة بينهما ولم يقترب منها سوى لرغبته ، طالعته بعيناها الباكية
-ابعد عني، تعبانة وعايزة ارتاح ..
ارهقها بحزنها ..جذبها بقوة لتصطدم بصدره هامسًا بفحيح
-ألف سلامة عليكى من التعب، بس عايزك بردو..حاولت دفعه ولكنه سحبها وسط شهقاتها المرتفعة فتوقف بمنتصف الردهة يدفعها بقوة على الجدار حتى اصطدمت به ثم حاوطها بذراعه
-عايزة توصلي لأيه، صرخ بها حتى انتفضت لصراخه ترجوه بعيناها، ولكن كيف له أن يعفو بعدما طعنته بخنجر الغدر ..انتي مراتي ومن حقي ووقت مااحتاجك تكوني جاهزة
أطبقت على جفنيها وانسابت عبراتها قائلة
-بكرهك..كطير مكسور الجناح اقترب من ثغرها
-بس أنا بحبك وطول ماأنا بحبك هتفضلي هنا لو عايزة ترتاحي موتيني ..اقتربت تقبله وتهتف من بين قبلاتها
-أنا مش عايشة علشان أموتك يابن عمي، لأنك موتني من زمان أوي
أحس بالدوار وكأنه تلقى ضربة قوية لتفقده اتزانه مع شحوب وجهه..دنت أكثر بعدما أصابت هدفها
وقامت بنزع مأزرها وأشارت على نفسها
-ودلوقتي أنا جاهزة..لم ترحمه واقتربت ترفع نفسها تهمس بجوار أذنه
-شوفت دكتور التشريح وهو بيشرح الجثة، اهو انت هتبقى معايا كدا كل مرة، أنا الجثة وانت دكتور التشريح ..برودة اجتاحت جسده وهو يرجع بخطواته للخلف وهي تقترب منه
-ايه الجثة مش عجباك ولا خايف منها
الفصل الثاني والعشرون
إلي أحدهم ….
أنا لم أكن عادية أبداً .فدائماً ما أكون أنا محور الأهتمام
.صدقاً بدون أن أبذل أي مجهود .
.ما كان يميزني دوماً أني لم أكن أهتم
لا تقنعني أبداً كلمات الحب والغزل لا أنتظر من أحداً ان يخبرني كم أنا جميلة …
.فكُنت علي قناعة كاملة أن قلبي ينتظره
وأن جميع أبوابي المغلقة لن تُفتح لغيره
وحين أجده ستكون وقع كلماته مثل السحر
وأن جمالي لن يكتمل إلا بأنعكاس
صورتي في عينه
….طال أنتظاري لك …..وأخيراً قد وجدتك
وحين وجدتك لم تُسمعني. أي كلمات ..أعطيتك مفاتيح روحي ولم تمُد يدك لتأخذها وتركتها تصدأ …لم أري في عينيك سوي أنعكاساً لخيبتي بك …ومعك …
نعم وجدتك ….وحين وجدتك …فقدت نفسي وفقدتك…..تمنيت أن لم أجدك و أعود أنتظرك
فكم كانت قسوة الانتظار أرحم لي من قسوة قلبك …
❈-❈-❈
دنى يخطو إليها ومع كل خطوة ترتفع نبضاتها متراجعة للخلف، دقات قلبه تتنازع مع بعضها وصراع داخلي بين كرامته وقلبه، لقد اهينت رجولته بحديثها اللاذع المهين له، حتى جعلته ينزف وونيران داخلية تلعنه من ذاك العشق اللاذع، اقترب بأنين صامت، وانفاس نارية مهدورة فجذبها من ذراعها بقوة اذهلتها ، ابتلعت ذعرها منه
-جاسر !!
نيران بداخله أشعلت حرب أعصاب ونظرات بينهما ، دفعها بقوة على الفراش
نهضت سريعا متسائلة بزعر بعدما وجدت جنونه
-إنت هتعمل ايه؟!..قالتها بعين زائغة
انحنى إليها وتملكه غضب جارف
-هعاين الجثة مش يمكن عايزة تحنيط مش تشريح ..ياحضرة الطبيبة التشريحية، تقولي ايه أصل جوزك حقير واطي ، قالها وقلبه يتآكل من الوجع
تلاشى تنفسها من حالته التي اوجعت قلبها فتحدثت:
-جاسر ابعد عني، أنا آسفة مقصدش اللي وصلك..
مازال على وضعه، لقد وضعه على المحك، فدنى أقرب منها ووزع نظراته على جسدها الذي كُشف أمامه بالكامل ثم رفع نظره إليها
ورغم المرارة والألم من حديثها الذي شقه لنصفين ، حاول أن يهدأ داخله فتحدث:
-من اللحظة دي طرقنا افترقت، عايزة تمشي الباب مفتوح مش همنعك، عايزة تطلقي معنديش مانع، إنتِ كدا كتبتي خط النهاية بينا، اصلك مش غريبة متعرفيش مين هو جاسر، علشان تفكريني حقير شهواني، ياخسارة يابنت عمي ..قالها وتحرك للخارج سريعا..هرول كالذي يطارده شيطانه، حتى وصل لسيارته، استقلها سريعا، وقادها بسرعة جنونية
شهقة خرجت من جوف آلامها تهمس اسمه ببكاء يمزق نياط قلبها هامسة
-آسفة مكنش قصدي، انا تعبت من قلبي الموجوع منك
وضعت كفيها على صدرها وناجت ربها
-يارب ..ثم نهضت من مكانها متجهة للواحد القهار ترجوه بأسرها أن ينجيها من الهم والحزن..قامت وتجهزت لمقابلة ربها بركتي تزيل همها، خرجت من مرحاضها بعدما توضأت واتجهت تقيم صلاتها بآلام قلبها النازف، سجدت لربها تبكي وتدعوه بسريرتها
“ربي لقد عجز تفكيري وخلت بي الطرق ، فأنت وكيلي
اللهم بك أستعين وعليك أتوكل، اللهم ذلل لي صعوبة أمري، وسهل لي مشقته، وارزقني الخير كله أكثر مما أطلب، واصرف عني كل شر، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري يا كريم.
اللهم أخرجني من حولي لحولك ومن ضعفي لقوتك”
ظلت تناجي ربها حتى أنهت صلاتها فاعتدلت تقرأ بعض آيات الذكر الحكيم
مرددة دعاء سيدنا يونس
“لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”
ظلت فترة من الوقت ، ثم نهضت من مكانها واتجهت لهاتفها وامسكته بتردد لحظات تنظر للهاتف ثم عزمت أمرها وقامت بمهاتفته
كان يقف بالسيارة أمام النيل ينظر بشرود، تعاظم الغضب بداخله حتى بدأ ينفث سيجاره على هيئة نيران صدره الملتهبة ..يعشقها بجنون، وغيرته تكاد تذهب عقله تذكر ماصار بينهما بعد رجوعهم من المشفى،
فلاش قبل شهر
ولج للداخل كانت تجلس تنظر بشرود للخارج، توقف أمامها يضع كفيه بجيب بنطاله
-من بكرة هنزل الشغل، ياسين استلم شغله في العريش ومراته هتيجي تقعد معاكي الفترة اللي هكون موجود بها بالشغل
كانت ماتزال تنظر للخارج وكأنه لم يتحدث إليها، جذب مقعد وجلس أمامها
-مش عايزة تقولي حاجة ..استدارت برأسها
-جاسر أنا مش مرتاحة هنا، ومبقتش عايزة اقعد هنا، عايزة ارجع بيت ابويا عرفت أنه سافر، ومفيش حد في البيت
نهض من مكانه يزفر متنهدًا بغضب،
جنى بلاش نتكلم دلوقتي في حاجة، سحب كفيها وساعدها بتبديل ثيابها، ثم جمع خصلاتها برباط للشعر
– خلي شعرك ملموم علشان مايتعبكيش في التسريح ..رفع ذقنها:
-مرات ياسين برة ادخلها!!
اومأت برأسها ، تحرك للخارج ولكنها أوقفته
-جاسر..!!
استدار بجسده ينتظر حديثها
-عايزة اكلم بابا، حاسة بحاجة ماما مخبيها عليا، دققت النظر بعينها
-إنت مخبي عليا حاجة ؟!
قطب جبينه ثم اقترب منها مستفهمًا!!
تقصدي إيه ؟!
زفرت متحدثة ؟!
ولا حاجة خلاص..وقف أمامها ثم سحب كفيها وأجلسها بجواره
-أنا مشفتش عمي من يوم مارجعنا من تركيا، هو لسة زعلان مننا، يعتبر مبكلمنيش، سبيه شوية وبعد كدا يبقى نزوره
اومأت له فنهض متحركًا للخارج توقف على باب الغرفة يليقها بنظرة أخيرة ثم خرج
ولجت عاليا للداخل
-صباح الخير ياجميل..رفعت نظرها لعاليا مبتسمة فأشارت لها
-تعالي..ولجت للداخل توزع نظراتها على الغرفة
-اوضتك حلوة اوي على فكرة
-ميرسي..ظلت نظراتها عليها، فجلست عاليا أمامها
-عارفة عايزة تسألي عن علاقتي بياسين مش كدا
هزت رأسها وابتسامة حزينة افترقت شفتيها متسائلة
-أنا معرفش ياسين اتجوز، حتى جاسر مقالش حاجة زي كدا
نهضت عاليا، وأشارت على حجابها
-طيب البسي وتعالي ننزل الجنينة شوية، الشمس حلوة، وحضرة الظابط نزل الشغل، وقالي أوامر اد كدا..غمزت عاليا بعيناها
-تعرفي بيحبك اوي اوي يبختك
وانا بحبه اوي كمان..خرجت الكلمات من فمها حزينة وترقرقت عيناها بالدمع، أطبقت على جفنيها حتى لا تسقط عبراتها ..ابتلعت ريقها وتسائلت
-هو جاسر حضر فرحكم،
ضيقت عيناها تنظر إليها مستغربة
-ليه هو ماقلكيش ولا إيه ..تحمحمت تجذب حجابها تضعها بعشوائية على رأسها، ثم ارتدت حذائها
-ياله ننزل تحت، ونتكلم
عند جاسر
استقل سيارته متجهًا لعمله، استمع لرنين هاتفه
-أيوة يابابا
-ايه اللي رجع فيروز تاني ياجاسر..توقف فجأة حتى اصطدم بالقيادة
-بتقول ايه!!
نهض جواد يزأر بصوته كالأسد
-قدامك 24 ساعة يابن جواد تخلصلي من موضوع الحرباية دي سمعت ياله، وحياتك عندي البت دي لو حاولت تقرب من جنى لأحرقها ياحضرة الظابط الحنين ..قالها ثم أغلق الهاتف
يشعر بإرتفاع أنفاسه
ولجت غزل تفرك كفيها ..التفت اليها ثم جلس محاولا السيطرة على أعصابه الذي بدأ يفقدها..حمحم ليتجلى صوته وأشار لها
-تعالي ياغزل !!
جلست تبعده ببعض المسافة..مسح على وجهه بعنف ثم سحب نفسًا وزفره قائلًا :
-غزل عايزك تجهزي فرح ياسين ، انا رحت لابو البنت، لازم في أقرب وقت نعملهم فرح قبل ماابنك المتخلف يطلقها
رفعت عيناها بذهول
-إنت بتقول إيه ياجواد، يعني إيه يطلقها اومال اتجوزها ليه، هو مش بيقول بيحبها ولا فيه حاجة مخبيها عننا
نقر بقلمه على المكتب ينظر بشرود
-البنت ملعوب بيها لعبة كبيرة اوي، انا بدور ورا الموضوع دا،. بس طبعا عايز وقت، فأنا لازم اسكت الكل قبل مايبدأو يخنقوني بأخبار كاذبة، واعدائنا اكتر من اصدقائنا
رفرفت بعينها
-تقصد إيه؟!
-بعدين ياغزل شوفي لو ينفع على الجمعة اللي جاي..نهضت من مكانها وتوقفت أمامه
-جواد !!
رفع رأسه منتظر حديثها، ابتعدت بنظرها مردفة
-مينفعش نعمل فرح ياسين دلوقتي، ممكن حفلة بسيطة وكأنه كتب كتاب وتصريح للسوشيال ميديا حاليا
هب من مكانه رافضًا حديثها
-مينفعش اللي بتقوليه دا، انت متخيلة لو حد من اعدائي عرفو موضوع مراته دي هيحصل ايه، نسيتي جواز جاسر
تضرجت ملامحها بالحزن وأجابته بهدوء :
-مينفعش نعمل فرح وصهيب مش موجود
-هتصل بيه ياغزل مالكيش دعوة، هعرف احل موضوع صهيب، هو زعلان علشان بنته وهو من حقه، إنتِ دوستي عليه ياغزل
تجلى الحزن بعينيها
-عارفة ياجواد، ورحت اعتذرتله، لكن مقبلش الأعتذار
تنهدت وجلست بمقابلته
-فيه موضوع مهم لازم تعرفه، نهى حلفتني ماقولك بس أنا قلبي وجعني من إمبارح ومبقتش قادرة أخبي عليك أكتر من كدا
نظرات مصوبة إليها منتظر حديثها وعقله يوحي بأن هناك شيئا سئ
أطلقت تنهيدة مرتعشة ولمعت عيناها بالعبرات
-صهيب هيعمل عملية بعد يومين في ألمانيا، هب فزعا من مكانه وتسائل
-عملية إيه دي وازاي أنا معرفش، صاح بصوت أفزعها
-عملية وألمانيا، ليه تخبي عليا حاجة زي كدا، اتجننتي
انسابت عبراتها تهز رأسها:
-والله مكنت أعرف، عرفت بالصدفة، بكت بنشيج واگملت
-نهى قالتلي امبارح بس لما كانت بتطمن على جنى، حتى هو كان عايز يشوف جنى بس مقدرتش أقولك
-عملية إيه ..هدر بها
– مرتحش بعد عمليته الأخيرة والدكاترة طلبوا من اكس راي، واتضح الشريان والصمام فيه مشكلة، الدم مابيوصلش كويس
أطبق على جفنيه وأحس بوخز يشق صدره فتحدث بقلبًا ينازعه الحزن
-ازاي قدر يعمل فيا حاجة زي كدا، لدرجادي صهيب زعلان
احتضنت ذراعيه قائلة:
-جواد صهيب مشي مش علشان زعلان، مكنش عايز يعرف حد بتعبه
امسك هاتفه وأجرى اتصاله
-تعلالي ضروري
كان متجهًا لعمله، فتوقف متسائلاً :
-فيه حاجة ؟!
-لما تيجي هتعرف..قالها وأغلق هاتفه
❈-❈-❈
دلفت ربى إليهما
-بابا أنا هخرج مع عز للدكتورة، وزعت نظراتها بينهما ، فهتفت متسائلة:
-مالكم شكلكم زعلان
-فين عز ؟؟
أشارت للخارج قائلة:
-هو بيجهز وهينزل، قالي تعالي نطمن على البيبي علشان هيسافر بالليل
-إنت تعرفي عمك صهيب مسافر ليه
ضيقت مابين حاجبيها مجيبة:
-هو مسافر فين؟!
أشار لها
-روحي ميعادك متتأخريش، استدارت متحركة ثم أوقفها جواد
-انتي هترجعي لعز ولا هتفضلي كدا ، عايز رد نهائي
ابتلعت غصة بحلقها ونظرت لوالدها بأعين تحجرت عبراتها
-دا إجباري ولا حضرتك بتسأل
اقترب بخطواته واحتضن وجهها
-رُبى ابنك هيجي للدنيا بعد شهرين، ينفع يجي من غير أبوه
-وأنا مسبتش أبوه يابابا، هو اللي سابني، هو اللي باعني، عايز امنله ازاي بعد مابعني في أول مشكلة، وضعت كفيها على أحشائها
-أنا مش هحرمه من ابنه، وقت مايعوز يشوفه ..
هز جواد رأسه مستنكرًا حديثها:
-أفهم من كدا انك مش هترجعيله تاني
-لا يابابا..ودا قرار نهائي، مستحيل آمن لشخص بعني، حتى لو روحي فيه
اتجه بنظره لغزل التي جلست تحتضن رأسها مغمضة العينين
-سامعة كلام بنتك، موافقة على عمايلها، ثم استدار إليها
-مش معنى اني مديلك الحرية يبقى تضيعي حياتك، انا مش موافق على اللي بتقوليه
-بابا..أشار بسبباته
-بلا بابا بلا زفت، ياترجعي لابن عمك ياإما معنتيش تخرجي معاه تاني سمعتيني، واخر مرة هقولك ، حافظي على جوزك وبيتك، كلنا بنغلط، أيوة عارف أنه غلط، لكن انتي مسكتيش برضو، متكلمتش وقتها علشان كان معاكي حق بس دلوقتي خلاص مبقاش ليكي حق عنده، اتعادلتوا
-بابا لو سمحت..استدار مواليها ظهره وهدر بصوته
-اللي عنده قولته، ياترجعيله يااما ماشوفكيش قريبة منه، وممنوع تتقابلي معاه
تحركت للخارج ولكنها تسمرت بمكانها عندما وجدته يقف على باب الغرفة، همست بخفوت
-عز!..تحرك للداخل مبتعدًا بأنظاره عنها ، دلف للداخل قائلاً :
-أنا حبيت اطمن على ابني قبل ماأسافر، مكنش قصدي حاجة تانية ياعمو، ومش معنى طلبت منها نزور الدكتورة يبقى خلاص مشاكلنا انحلت ، استدار يرمقها بنظرة خذلان ثم تحدث
-اللي بيتكسر عمره مابيتصلح ياعمو، وحتى لو اتصلح مابيرجعش زي ماكان
بعد اذنك..قالها وتحرك من أمامهما مهرولا للخارج
نظر إليها جواد بملامح جامدة لأول مرة ثم اقترب منها
-الراجل لما تكسره مراته قدام نفسه عمره مابيسامح إلا إذا كان بيموت في الست دي، وانتي كسرتي جوزك قدامنا مش قدام نفسه بس، ورغم كدا سامحك وطلب الغفران، ياترى الملكة روبي عملت ايه، كسرته للمرة الي مبقاش ينفع يسامح، اتمنى متخسريش جوزك وحياتك وترجعي تندمي، أنا مش موافق عليكم انتو الاتنين
لوح بيديه
-امشي روحي مع طليقك ياهانم، النهاردة طليقك بس، بكرة يكون جوز واحدة غيرك
هزة عنيفة أصابت جسدها فشعرت بتوقف نبضات قلبها من مجرد حديث والدها، ماذا ستفعل إذا فعلها، تراجعت بذكريات تلك الليلة التي حفرت بذكرياتها المأسوية وهو يدلف بإخرى ويخبرهم بأنها زوجته، رغم أنها علمت بلعبته ولكن سُحبت روحها ونزف قلبها، هزت رأسها تبعد أفكارها المأسوية التي تصفعها بقوة وخرجت هاربة من نظرات والدها النارية
وصلت إليه وجدته جالسًا بالسيارة ينظر للأمام بجسد متجمد، استقلت السيارة بجواره بصمت ، لم ينبت بكلمة واحدة، قام بتشغيل المحرك وتحرك بهدوء رغم نيران قلبه القابعة
راقبته بأعين حزينة وقلبًا فتته الوجع ..همست بصوت كاد أن يصله
-عز !! ظل كما هو ينظر للأمام بصمت
اتجهت بنظرها للخارج بعدما وجدت صمته..وصل بعد قليل للمشفى، ترجل اولا ثم اتجه إليها، قام بفتح السيارة، يحثها على النزول قائلا بملامح جامدة
-على مهلك..طالعته بنظرات متألمة عندما وجدته لم يمد كفيه إليها .
نزلت ببطئ وتحركت بجواره للطبيبة، بعد فترة من الوقت كانت تتسطح على فراش الفحص، مررت الطبيبة بجهاز السونار بعد وضعها السائل، يتحرك الجهاز على جميع أنحاء البطن، ثم فتحت صوت النبض ..ابتسم بحب حتى لمعت عيناه وهو يرى نطفته تكبر بأحشائها
أمسكت كفيه وانسالت عبرة عبر جفنيها وتسائلت:
– كويس يادكتورة، طمنيني ..ابتسمت الطبيبة وهي تطالع شاشتها
-كويس جدا، ماشاء الله، وشكله شقي جدا، مش حاسة بحركته ولا إيه
هزت رأسها وابتسامتها تنير وجهها انستها حزنها فتحدثت:
-أيوة بيتحرك بس مش كتير اوي..أعطتها الطبيبة محرمة ورقية
-دخلنا التامن ، والشهر دا اصعب الشهور، لازم نهتم بصحتنا كويس، وممنوع الاجهاد، علشان نكمل بخير إن شاءالله
ساعدها بالأعتدال قائلاً :
-اعدلي هدومك هستناكي برة..اومأت له، وهي تضع كفيها على بطنها تهمس لأبنها
– حبيبي، شوفتك عقبال لما تجيلي بالسلامة، ظلت تمرر أناملها
-شوفت بابي فرحان بيك إزاي، وأنا كمان أسعد واحدة في الدنيا، اخيرا هشوفك قريب ياقلبي، مش مصدقة تيجي..دلف إليها بعدما تأخرت خوفًا عليها
-فيه حاجة..قالها مقتربًا منها، ثم بسط كفيه وجذب ذراعها يوقفها
-حاسة بتعب ولا حاجة..سعيدة جميلة بريئة تطالعه بنظراتها العاشقة ثم أمسكت كفيه تضعها على بطنها
-شوف ابنك، مش مبطل ضرب فيا، أول مرة يكون كدا، رفع عيناه إليها ثم نظر لبطنها وشعور السعادة يتملكه
-بتتوجعي كدا!!
هزت رأسها نافية ثم تحدثت:
-لا بالعكس فرحانة أوي ..ابتسم ثم جذب رأسها يلثم جبينها
-ربنا يباركلي فيكم يارب..قالها وتحرك بعدما فقد سيطرته على نفسه، كانت شهية للقلب والعين، اشتاقها حد الجنون، تمنى لو اخذها بمكان لا يعلم أحد به، ليعلمها كيف يكون الإشتياق، ولكن ذهب كله هباء، بعدما استمع لحديثها مع والدها
عند ياسين
وقف أمام بعض الجنود الذين يتدربون بساحة القتال، قام بالتعريف عن نفسه
أنا الملازم ياسين الألفي، اكيد هنقعد فترة مع بعض اتمنى تكون ذكرى كويسة للجميع..قالها ياسين للجنود الذين يقفون أمامه بصمت واعتدال تقديرا له..اتمنى نكون زي الاخوات ونعرف نتعامل مع بعض بحب واحترامًا، ونعرف نميز بين العدو والصديق
.وصل من يرأس ياسين ..توقف ياسين يلقي تحيته العسكرية مع باقي فريقه
ظل لفترة من الوقت وهم يتدربون حتى انتهت مدتهم المحددة، تحرك لتناول وجبته امسك هاتفه واتجه لمكانًا منعزلا بعض الشئ
عند جاسر
يقود سيارته متجهًا لمنزل والده، ترجل من السيارة فاستمع لرنين هاتفه،
-أيوة يا ياسين..جلس ياسين أعلى صخرة متسائلاً :
-جنى عاملة إيه النهاردة !!
توقف عن السير وأجابه وهو يطالع والده الذي يتوقف بشرفة مكتبه
-النهاردة أحسن، عاليا قاعدة معاها
اومأ له وتسائل
-جاسر خلي بالك جنى ممكن تأذي نفسها..أحس بقبضة تعتصر صدره عندما تذكر حديث الطبيبة فأردف
-أنا اتصلت بمكتب علشان أشوفلها جليسة، مكنتش عايز أعرفها دلوقتي ،بس هي عرفت وخلاص
تمام خلي بالك منها، انا كلمت أوس الصبح وقالي هيرجع النهاردة، وان شاءالله رمضان يجي علينا وكلنا موجودين مع بعض
ردد جاسر قائلاً
-إن شاءالله حبيبي خد بالك من نفسك، وخلي بالك العريش مش آمان ياياسن
ابتسم ياسين قائلاً :
-العمر واحد والرب واحد، المهم انت خلي بالك على جنى ياجاسر، صدقني لو زعلتها هقفلك
قهقه جاسر مردفًا
-خلي بالك من كلامك يا حمار دي مراتي وقبل ماتكون مراتي فهي روحي
أطلق ياسين ضحكة رجولية مرتفعة
-اي ياعم الحبيب غيران عليها مني، خلل أنامله بخصلاته
-مش موضوع غيرة ياحضرة الظابط اد ماهو احترام ليا مش كدا ولا إيه
-طيب يااخويا، روح شوف رايح فين
-الله مش ناوي تسأل عن حبيبة القلب يعني ..قالها جاسر بمغذى
توقف ياسين عن الابتسام ونهض من مكانه
-متخلهاش تخرج من البيت لوحدها
ياجاسر لو سمحت
تحرك جاسر للداخل وهو يحادثه
-ابوك معينلها حراسة متخفش، هو طلب مني اروح معاه عندهم بس معرفتش علشان جنى تعبانة، فكلمت بيجاد وعز راحو معاه
-عرفت!! كريم قالي، بس تفتكر ابوك بيفكر في ايه
رفع جاسر نظره لوالده الذي يراقبه فتحدث:
-هكلمك لما ارجع البيت أنا عند بابا دلوقتي..سلام
بالداخل جلس جواد ينتظره…دلف للداخل يبحث بعينيه عن والدته
-فين ماما يامنى..أشارت للأعلى
فوق ياباشا..
طيب يامنى قوليلها جاسر تحت
-حاضر !!
تحرك للداخل بعدما قام بطرق الباب مسئذنا..ولج ملقيا السلام
-عامل ايه ياحضرة اللوا
-اقعد!! قالها جواد بجمود
مط شفتيه ثم تحدث:
-يبقى لسة زعلان، يعني افهم من وجودك للمستشفى ماهي الا تأدية واجب، ومجية الدكتورة غزل لبيتي بردو تقضية واجب مش كدا ياحضرة اللوا
-زعلان منك يا ابني الكبير
-وأنا!!..قالها سريعا
انحنى جواد مستندا على مكتبه ونظر لمقلتيه
-بكرة تبقى أب وتحس يعني ايه ابن يتهم أبوه، ويحسسه بالخذلان والأهانة
رفع نظره محدقا بمقلتيه
-ولا عاش اللي يهينك ويخذلك ياحبيبي ليه بتقول كدا
نهض جواد من مكانه وأخذ يحاوره بعيونا قليل الحيلة لما يفعله
-لما تيجي وتوقف قدامي وتقولي اني ممعتبركش ابني الكبير، دا تسميه ايه، لما تيجي تتهم ابوك انك ولا حاجة عنده دا تسميه ايه، لما ابوك يطلب تكون سند لاخوك في مشكلته وحضرتك ترفض وتقول شوف عز وبيجاد دا تسميه ايه
وقف بمقابلة أبوه مشدوها يتمزق قلبه على ما صار بينه وبين والده
-بابا حضرتك فاهم الموضوع غلط
جلس على الأريكة ونظراته مصوبة عليه
-زي ماانت فاهم الموضوع غلط ياجاسر
جلس بجواره ودنى منه
-أنا وقتها كنت مخنوق وبطلع وجعي مش اكتر
تراجع جواد بجسده ومازالت نظراته عليه فتحدث:
-ساعات وقت الوجع بنطلع الصدق يابن جواد
طأطأ رأسه للأسفل وتحدث :
-بابا أنا آسف، آسف على كل حاجة
انا مبحبكش ياجاسر ودايما شايفك سبب المصايب، أنا..اختنق صوته وتحدث بصوت متحشرج :
-عمري مافكرت في كدا، من وانت صغير شايفك أكتر واحد في اخواتك بتفهم ابوك من مجرد نظره، إنما كلامك ليا حسسني اني ماانفعش اكون اب، وفشلت في تربيتكم
حدق بوالده بصدمة، يهز رأسه رافضا مايعتليه بصدره
-ابدا يابابا..انا بس كنت بغير من بيجاد اوي، لانه كان بيفهمك اكتر مني، حتى غرت منه على غنى، وزي ماحضرتك شوفت غنى دلوقتي اهم واحد عندها بيجاد
-غبي يابن جواد، غبي ومتخلف كمان
بيجاد دا مهما كان هيفضل واحد من العيلة ومكانته غالية اه، بس عمره مايتساوى بيكم ابدا، انت اول فرحتي في الدنيا، أول نور وامل نورلي حياتي
ازاي تفكر اني ممكن احب بيجاد أو اعتمد عليه، انت اللي دايما بتعد عن ابوك، فاكر أول مشكلة معاك ، جريت على صهيب وحكتله وابوك واحد غريب
-خُفت يابابا!!
جحظت عيناه يشير على نفسه
-خفت من ابوك..لدرجة دي شايف ابوك مجرم علشان يعاقبك بطريقة مؤذية
تروح تقول لعمك وباسم وأنا آخر واحد
انحنى وغرز عيناه بمقلتيه
-وياترى صهيب وباسم فادوك، قدروا يساعدوك ياحضرة الظابط
اغمض جاسر عيناه بحزنًا وردد :
-آسف..عارف انا غلطت
ليه عملت كدا ياجاسر، ليه دايما ضدي في كل قرارتي ، ليه يابني قولي عملت ايه يخليك تشيل مني كدا ، من وقت خطوبة عز وروبي ومبقتش ابني بقيت واحد أنا معرفوش
تراجع بجسده وسند برأسه على ظهر المقعد وتحدث:
-كنت زعلان من وقت مارفضت ادخل الشرطة ووافقت لجواد ابن عمتي، ليه معرفش، من وقت ما طلبت منك اروح مع عمو باسم سفرية سويسرا وحضرتك برضو رفضت، حتى لما جيت اتجوز فيروز برضو رفضت، كان كل حاجة بطلبها بترفضها، كنت بشوف عز وجواد اي حاجة يطلبوها يتوافق عليها بس انا لا
صدمة نزلت على رأس جواد كصاعقة هزته حتى فقد الحديث، فطالعه وكأنه غرس خنجرا بصدره..لحظات محاولا السيطرة على ألم اخترق صدره فسحب نفسًا وطرده بهدوء، ل يخرج النار القابعة بصدره ..لحظات مميتة تشعره بخيبة أمل من حديث ابنه اللاذع فتحدث بصوت هامس:
-محبتش تدخل الشرطة علشان انت مكنتش عايز دا في الأول، مش عايزك تعيش حياة كلها أوامر، حياة بالورقة والقلم، حبيتك تكون حر مش مقيد، ورغم كدا لما شوفتك مُصر وافقت
رفضت سفرك من باسم علشان ماينفعش تكون معاه في رحلة زي دي، واحد رايح شغل ومراته عايزة تعمل اجازة بعد شغله، كنت مستني مني اوافق على شاب عنده 22 سنة يروح مع واحد مايربطوش علاقة سوى أنه صديق لابوه، اول حاجة هتطلع اشاعات عليك وعلى مراته، ايه ياحضرة الظابط، متعرفش أن بينك وبين حياة ٣ سنين بس، وقتها مش هيقول اكبر منه هيقول الشاب اللي بيروض مرات صاحب أبوه الشابة..
زفرة حارة ثم مسح على وجهه قائلاً:
-موضوع فيروز رفضته علشان كنت عارف اللي احنا وصلنلاه دلوقتي…
لسة مقتنع انك اتجوزت فيروز علشان تبعد عن جنى، ولا اتجوزت فيروز علشان تعند ابوك وتفهمه انك صح وهو غلط
إطلق تنهيدة مؤلمة وتوقف يضع كفيه بجيب بنطاله ثم توجه للنافذة
-الأتنين يابابا، كنت عايز الاتنين
-والنتيحة ياحضرة الظابط
شعر بقلبه يتأكل من حديث والده، فاستدار له يطالعه متسائلًا:
-حضرتك حاسس بوجعي يابابا..نهض جواد من مكانه متجهًا إليه يقف أمامه ونظرات تعكس الغليان القابع بصدره
امسكه من كتفه
-وأنا لو مش حاسس بوجعك كنت سامحتك ياجاسر
تظاهر بالثبات رغم انهياره الداخلي ورغبة جامحة أن يبكي بأحضان والده عله يشفى من آلام روحه النازفة، ورغم ذلك تحدث بنبرة متزنة
-يبقى سبني اختار حياتي وامشيها زي ماانا عايز زي ما حضرتك دايما معلمنا، قولتنا زمان مش عيب نغلط بس العيب أننا منعترفش بالغلط
اومأ له ومازال على وضعه
-بنت عمك عاملة دلوقتي.!!
رفع نظره لوالده، وحزن عميقًا داعب قلبه
-قصدك مراتي..أشار جواد بسبباته
-وبنتي ياجاسر، جنى زيها زي غنى وربى، وأنا سبتك تاخد حقك منها مش علشان انت جيت وفضلت تصرخ، لأ يابن جواد، دا علشان هي غلطت وكان لازم تتعاقب، وانت اللي ليك حق في كدا..بس مسألتش نفسك ايه اللي وصلها لكدا
-أنا..أردف بها بصوت بارد
انفرج ثغره جواد بإبتسامة ساخرة
-قصدك فيروز!!
-طيب لما حضرتك عارف بتسأل ليه، وليه سبتها تمشي
ناظره مع تأوتها المؤلمة التي انبثقت من فم جواد يشير إليه:
-تفتكر يابن جواد لو أعرف كنت سبتها تكسرنا كدا، كنت هتحمل وجعك شهرين، ولا اشوف حالة صهيب واسكت، كنت هستنى العيلة توقع ، ليه فكرت كدا، دي ثقتك في ابوك
ارتسم الألم بداخل أعين جاسر
-مكنتش أتوقع إن اختي تعمل فيا كدا..أومأ جواد غير راضيًا بحديثه
-اختك لأ بس ابوك اه !!
دنى من والده وتوقف أمامه
-مش قصدي اللي وصلك، قصدي إنك الوحيد اللي تقدر تعمل كدا
ثبت عيناه على ابنه وتسائل:
-سيبك من اللي فات وقولي، دلوقتي ناوي على ايه..
رفع عيناه التائهة لوالده ووقف منحني كعصفور مكسور الجناح
-مش عارف يابابا، بحبها بس كرامتي مهدورة، حط نفسك مكاني ، لو ماما عملت كدا كنت هتعمل إيه
سحبه من كتفه وأجلسه
-إنت عارف أن عمايل جنى نتايج لعمايلك
-بابا..أشار بسبباته واستأنف بهدوء
-صعب يابني حط نفسك مكانها قبل ماتعمل راجل عليها، اسأل نفسك الاول
انت لو مكانها تصرفك ازاي، وقبل ماتتكلم انا مش موافقها أكيد على عمايلها دي، بس برضو مش عايز اموتها بقرارات وانا عارف غلطك اكبر
لو شايف انك هتقدر تعيش بعيد عنها وأنها كسرتك زي ما بتقول يبقى طلقها وريح نفسك، بس إياك تيجي في يوم تقولي عايز ارجعها يابابا اصلي مش قادر، وقتها اقسم بالله ياجاسر ماهخليك تطولها،
-ومين قال لحضرتك اني هسبها أو اطلقها، توقف قائلاً:
-جنى هتفضل مرتبطة باسمي لحد ما اموت يابابا..ومش هتنازل على عقابي ليها، لازم ادوقها وجعي
ارتسم ابتسامة ساخرة
-متأكد يابن جواد..دقق النظر بوالده مندهشا من حديثه فتسائل:
-تقصد ايه..نصب عوده وتوقف يربت على كتفه
-بتحبها اوي كدا، وعايز تعاقبها
-اه..ومحدش له يدخل ..هز جواد رأسه ومازالت ابتسامته
-يبقى مبتحبهاش
-محدش له يقولي كدا..حضرتك مادخلتش قلبي علشان تحكم عليه
-بس كفاية أفعالك ياحضرة الظابط ، لسة ناقص ايه، تعالى وقولي
ازاي قدرت تقهرها بالشكل دا قدامنا..لكزه بصدره
-ازاي قدرت تشوف دموع مراتك يالا، فضلت تدوس لحد ماوقعت بالشكل دا
لا وواقف تقولي محدش له يحكم ..ناظره ناهرا اياه
انا بحذرك ياجاسر من رجوع فيروز لحياتك تاني
شعر بالحزن والألم بآن واحد مردد
-مفيش حاجة بيني وبينها
-دا أنا متأكد منه ، انا اللي أقصده حطلها حد، البت دي مبقاش ينفع تقرب منك، وخليك متأكد انها مش هتسيبك
اومأ برأسه يحمل اشيائه قائلاً:
-عايزك تكلم جنى، مصرة تبعد، مش عايز اتعامل معها بطريقة مش كويسة لو إنت خايف عليها..عايز أفعال ياحضرة اللوا
ربت على ظهره :
-منك ليها احسن، حاول تبعد عنها ، سبها شوية لحد ما ترجع زي الاول ، البت بتحبك ومش هتقدر تبعد، بس خليك عاقل
تجلى الوجع بنبرته قائلاً :
-بابا الدكتور منع جنى من الحمل، بيقولها إحتمال كبير أن حملها يبقى دايما مشوه، ومن وقت ماعرفت وهي متجنباني خالص ومش مدياني فرصة اتكلم معاها ومصرة على الطلاق
❈-❈-❈
ألجمته الصدمة من حديثه ولم يستطع التفوه للحظات حرب نظرات لا يعلم بماذا يجيبه..جلس محاولا السيطرة على صدمته، ابتلع ريقه ورفع رأسه قائلا:
-مفيش حاجة في الطب اسمها كدا، حتى لو الطب اتقدم ومبقاش فيه حاجة اسمها مستحيل، خد مراتك في حضنك وداو جروح بعض ياجاسر، دا علاجها الوحيد
تثاقلت أنفاسه ورغم كدا حاول ألا يضعف أمام ابنه فجلس قائلاً:
-كنت بعتلك علشان أقولك عمك هيعمل عملية بعد يومين، هسافر بالليل عايزك ترجع هنا لحد ماارجع، مامتك هتيجي معايا عارف انها هترفض
انتابه غصة قوية ، فهمس بتقطع
-عملية إيه..
هز كتفه بعدم معرفة قائلاً:
-معرفش بس أكيد حاجة كبيرة ، غزل بتقولي العملية فشلت،
-وعمو كويس يابابا، ولا
هز رأسه بعدم معرفة
-معرفتش اوصله، لما اوصل هكلمك
جمع اشيائه وتحرك للخارج
-هشوف جنى، بس بلاش موضوع ارجع هنا، عمو حازم هنا، يعني هيسد وكمان أوس هيرجع، لا بلاش أنا ..ياله سلام ياحضرة اللوا ترجع بالسلامة.
قاد السيارة وأمسك هاتفه
-فيه واحدة باسم فيروز هاشم الناجي
-أيوة رجعت الصبح ..أغلق الهاتف ملقيه على المقعد ينقر بكفيه على القيادة
-ناوية على ايه يافيروز، ياترى رجعتي ليه ومش همك تهديدي
استمع لرنين هاتفه
-بسوم عامل ايه
-جاسر عدي عليا بعد الشغل، فيه موضوع مهم
نظر من خارج النافذة واستأنف حديثه متسائلا:
-فيه حاجة ولا إيه
-اه لما تيجي هتعرف..قالها مغلقا هاتفه متجهًا لحياة
-هخرج ساعتين وارجع، جهزي الغدا، جاسر هيتغدى معانا، وكمان ممكن يجيب ندى
ابتسمت له وأشارت بعينيها
-من عيوني ياحبيبي..انحنى يطبع قبلة على جبينها
-خلي بالك من فارس ..تحركت معه للخارج، استمعت لهاتفها، فاتجهت إليه
-فيروز..لسة فاكر عليكي ياحيوانة
على الجانب الآخر اجابتها
-حياة انا تعبانة اوي، لسة راجعة من سويسرا من شوية، وماليش حد غيرك
-فيروز آسفة بس انتي عارفة باسم عمل آخر مرة ايه..صمتت بعد الوقت ثم اردفت:
-تعالي نتكلم ونشوف هتعملي ايه باسم قدامه ساعتين، وعلى فكرة عازم جاسر وجنى على العشاء
شعرت بالحزن بداخلها فهمست ببكاء
-جاسر خلاص نسي فيروز ياحياة، وجنى اكلت عقله
ضحكت حياة بسخرية وأجابتها
-لا دا إنتِ فاتك بلاوي يابنتي، جنى هربت من جاسر، ورجعت والكل كرهها،
انار وجهها من الأخبار التي أسعدت قلبها، فتحدثت حياة :
-أنا هجيلك..قالتها وأغلقت الهاتف
وصلت بعد فترة ..
-قصدك ايه يافيروز ..لا طبعا دا باسم لو عرف ممكن يموتني
احتضنت كفيها وانسابت عبراتها
– مش هخليه يشوفني والله ، عايزة اشوفه من بعيد هو ميعرفش اني رجعت اصلا، وحشني أوي ياحياة
ضمتها حياة تمسد على خصلاتها
-وكان ليه من الأول تعملي في نفسك كدا بس..شهقت ببكاء
-مكنتش اعرف أن حياتي هتبقى كدا بعده، جاسر احسن راجل قابلته في حياتي، وبتمنى نرجع لبعض حتى لو زوجة تانية انا راضية، لازم تساعديني ياحياة لو سمحتي، انا ياما ساعدتك قبل كدا
تنهدت حياة متأملة فاجابتها
-خلاص اقعدي وربنا يستر وباسم ميعرفش، وقتها هيبقى انا وأنتِ في الشارع
مساءً عاد لمنزله وجدها تجلس أمام المسبح تستمع للموسيقى ..خطى إلى وصل أمامها
– عاملة ايه حبيبتي!!
-الحمد لله..رجعت بدري يعني
جذب المقعد وجلس بمقابلتها يطالعها بإشتياق
-وحشتيني..ابتعدت بنظرها بعيدا وأجابته
-أنا همشي ياجاسر هروح شقتك اللي في الرحاب، عايزة اقعد مع نفسي شوية، وافكر بعيد عن الضغوطات، رفعت نظرها إليه :
-وانت كمان فكر كويس، علشان مترجعش تندم تاني
طالعها بملامح جامدة ثم أجابها
-مفيش خروج من البيت، وبدل إنت مقتنعة بجنونك يبقى اسمعيني كويس
-خروج من البيت دا مفيش، نهض من مكانه وأشار إليها
-ولو حاولتي تستفزيني بموضوع الطلاق ..انحنى ينظر بمقلتيها
-هتجوز عليكي واجبها هنا واحصرك بجد..سمعيني بس كلمة طلاق، ولو نسيتي انا عملتها قبل كدا..فخليكي زي العاقلة وانسي الهبل بتاعك دا
انتفض قلبها بدقاته بسعادته من تمسكه بها ورغم ماشعرت به إلا أنها مازالت على وضعها فتسائلت
-أنا مستحيل افضل في صراع بيني وبين فيروز..مش هفضل قاعدة جوايا قلق من حرباية زيها
كانت شهية بغضبها وشفتيها التي تتحرك أمامه..انحنى يجذب رأسها يقربها إليه ودنى ليروي روحه ولكنها ابتعدت ودقاتها تتقارع بصدرها
-ايه اللي بتعمله دا..أنا بتكلم في ايه وانت بتعمل ايه
جذب حجابها الذي يحاوط عنقها وأزاحه ، ثم جذب مقعدها يقربه، ينظر بداخل مقلتيها
-افهم من كدا بتخيرني تاني، يعني غلطانة وبتبجحي وجاية تتشرطي
دنت أكثر وغرزت عيناها قائلة:
-حقي، دا حقي يابن عمي، والدين والشرع بيقول كدا، انا مش موافقة افضل على ذمتك وانت عايز ترجع مراتك التانية ..اردفت بها وانتظرت حديثه بقلبًا ملتاع وعيناها تبحر فوق وجهه تتمنى أن ينطقها متمسكا بها، عاشقها الأوحد ملهم روحها
تراجع بجسده ينظر للبعيد وأجابها
-ولو قولتلك انا مبتهددش يابنت عمي، ومالكيش اختيارات عندي، نصب عوده وتوقف يضع كفوفه بجيبه ونظراته على وجهها الذي شحب
-مجنون بقى تقولي ايه، انحنى وهمس بالقرب من شفتيها
-زي ماانتِ مجنونة بحبي أنا مجنون بحُبك ياجنجون ..قالها وتحرك من أمامها حتى لا يطبق على عنقها
تراجعت بجسدها للخلف
-وبعدهالك يابن عمي ناوي على ايه، عايز ايه بالظبط، فركت جبينها وأطبقت على جفنيها تذهب لطفولتهما، قطعت خلوتها عاليا
-كنت جايلك بس لقيت جاسر فرجعت
فتحت عيناها وأشارت لها
-تعالي احكيلي ياسو وقع فيكي ازاي ، متكلمناش
عوجت شفتيها تلطم كفيها
-ياسو..دا تدلعيه..!!
دا تعوريه، تاخديه لعشماوي يخوفوا بيه اللي هيتكلوا على الله
ارتفعت ضحكات جنى حتى أدمعت عيناها
-يخربيتك مجنونة..دا كله على ياسو
وقف يراقبها من شرفته، عزفت تعويذتها على قلبه، حتى كثرت أمنياته بتلك اللحظة
لكزتها عاليا
-متقوليش بس ياسو، والله بضايق، دا رخم ومغرور
انحنت جنى تطالعها بريبة
-ازاي هو انتو مش بتحبوا بعض ولا ايه
-ولا عمري احب الجلنف اللي اسمه زفت الطين ياسين دا، كرهني في الاسم يخربيت تقل دمه، كان نفسي اسمي ابني ياسين..تلألأت عيناها بالدموع، فرفعت نظرها إليها
-من وانا صغيرة اقول لما اتجوز هجيب ولد واسميه ياسين
ابتسمت جنى تلكزها
-اهو جوزك ياسين متزعليش
❈-❈-❈
سحبت كم من الهواء وزفرته ببطئ
-ياسين اول مرة اشوفه يوم الفرح، حتى اتجوزته ومعرفش اسمه
توسعت أعين جنى مذهولة فاعتدلت تنتظر حديثها قائلة:
-هسمعك، عايزة اعرف ايه حكايتك..ذهبت عاليا ببصرها لجاسر الذي أبدل ثيابه متجهًا إليهما
-عاملة إيه ياعاليا
-كويسة الحمدلله..قالتها ونهضت لتحرك ..فأوقفها قائلاً
-لأ انا خارج..اتكأ على المقعد ينظر لجنى
-عمو باسم المفروض عازمنا على العشا، انا رفضت وجودك لحد ماترجعي تاني
انحنى يهمس بجوار أذنها
-ضحكتك خطفت قلبي ياجنايا..قالها بملامسة خاصته لأذنها ..رفعت رأسها وتقابلت عينيهما بإشتياق جارف..تحركت عاليا سريعا متجهة للداخل ، فتحدثت جنى بتقطع
-بتعمل فيا كدا ليه ياجاسر..مسد على شعرها وهتف
-عايز اعذبك ياجنجون زي مابتعذبيني، احسسك اد ايه قلبي وجعني ..
رفرفت بأهدابها تهز رأسها وأجابته
-ومين قالك اني مبتعذبش يابن عمي
اعتدل بوقوفه يرتدي نظارته الشمسية
-أهي ابن عمي دي اكتر وجع ياجنى، طول ماانتِ كدا اعرفي انك بتوجعيني أوي
أمسكت كفيه
-مقدرش أوجعلك قلبك، بس خايفة رفع كفيها يقبلهما قائلاً
-مش هتأخر ..لسة مكملناش كلامنا، خدي بالك من نفسك
طبع قبلة على جبينها وتحرك لسيارته دون حديث..ظلت عيناها تراقب تحركه حتى خرج من البوابة الرئيسية للمنزل ..تنهدت وهمست لنفسها
-قربك عذاب وبعدك عذاب، ياترى ناوي على ايه ياجاسر
وصل بعد قليل لمنزل باسم
جلس لبعض الوقت وتناول العشاء ..أخرج باسم بعض الصور
-دول هينفعوك في القضية، الصراحة ابوك اللي بعتهملي، بس حبيتك تعرف أن ابوك له طار من الناس دي، فخلي بالك ممكن يؤذوك
تراجع بجسده ينظر للصور ثم رفع نظره لباسم
-العيال دي بيوزعوا مخدرات على شباب الجامعة
طالعه باسم مذهولا من حديثه
-ايه اللي عرفك..اشعل سيجاره، ونفثها بهدوء ينظر لجاسر
زرعت في وسطهم واحد، العيال دي مجرد أنها بتوزع بس، احنا عايزين نوصل للكبير..والديلر بتاعهم صاحب ابن عم بنت هاشم الناجي
-قصدك فيروز؟!
وضع رماد سيجاره بالمطفأة يضغط عليها بغضب
-بلاش اسمها وحياتك، بتحرق دمي، ياريتني سمعت كلام ابويا، مكنتش دي حياتي
قهقه باسم غامزا
-هتنصب يالا، عشتلك يومين في الجنة يااخويا
رفع جانب وجهه وابتسامة ساخرة
-سبتلك الجنة ..دفعه باسم مقهقها
-افهم النار اللي انت فيها احسن
هنا تذكر مهلكته ..فلاحت ابتسامة عاشقة ظهرت بعينيه
-بعشق النار دي ياعمو، عجباني اوي ، المهم النار هيجلها يوم وتطفى
أخرج باسم حافظة اوراق
-طيب شوف الورق دا واشتغل عليه كويس
بالداخل كانت تقف قريبة منهما تستمع إلى حديثهما .. اعتصر قلبها من حديثه، فجزت على أسنانها تهمس لنفسها
-وحياة حبي ليك ياجاسر لندمك على اللي عملته فيا ..اتجهت ببصرها لحياة التي تتحدث مع العاملة
-اعملي فنجانين قهوة وخرجيهم..ثم تحركت لفيروز
-شوفتي حبيب القلب..أشارت فيروز على ملابسها
-ايه اللي انتي لابساه دا، روحي البسي فستان كويس، وسيبك من ضفيرة أبلة نظيرة
أشارت لها محذرة:
-عشر دقايق هطلع اغير وانزل، فيروز بلاش تعملي مشكلة مع باسم لو سمحتي
ابتسمت لها ماكرة
-أنا ماصدقت ياحياة تقوليلي جاسر هيتعشى عندكم علشان اشوفه، تفتكري ممكن افكر في حاجة تنكد عليا
ربتت على كتفها وتحركت للأعلى..اتجهت فيروز سريعا للمطبخ وتحدثت مع العاملة
-هاتي من الجنينة نعناع ، عايزة اعمل شاي بنعناع ياكريمة ..
أشارت العاملة للقهوة
-حاضر هطلع القهوة واروح اجبلك..سحبت كفيها قائلة:
-أنا هاخد بالي منها روحي بس هاتي النعناع ..تحركت العاملة مضطرة، ثم أسرعت فيروز لحقيبتها وأخرجت بعض الحبوب، وامسكت أحدهم ووضعتها بفنجان جاسر، ثم سكبت القهوة وقامت بتقليبها سريعا، ووضعت قهوة باسم وتراجعت تنظر من الشرفة تنتظر الخادمة التي وصلت
فأشارت لها
-خدي القهوة وديها قبل ماتبرد، شوفي الفنجان دا بتاع حضرة اللوا، متهويش علشان أنتِ عارفة كل واحد قهوته مختلفة
اومأت لها وتحركت للخارج..هبطت حياة بعد قليل تبحث عنها وجدتها تحمل حقيبتها
-همشي ياحياة قبل ماباسم ياخد باله، وهجيلك كل فترة
اومأت حياة متفهمة، خرجت فيروز تنتظره بالخارج
مر قرابة دقائق معدودة حتى وجدته يخرج بسيارته من منزل باسم ..توقفت أمام سيارته تعقد ذراعه، حتى كاد أن يدعسها
هبط من السيارة يطالعها بغضب
-بتراقبيني يافيروز..هو انا مش حذرتك، ظل يصرخ بها، حتى وصل إليها يضغط على كتفها
-انتِ عايزة مني إيه يابت، هو انا كنت متجوز حرباية، ابعدي عني بدل ماكرهك في نفسك..شعر بنيران تسري بجسده، تراجع عندما شعر بوجود شيئا ما يسير له ..استدار متحركًا لسيارته، يفتح زر قميصه، تحركت خلفه، تجذب ذراعه حتى التفت إليها يدفعها بقوة اذهلتها
-ابعدي عني يا حيوانة..بدأت الرؤية تتشوش أمامه..حتى اغمض عيناه وفتحها عدة مرات..ابتسمت بنصر، فاقتربت تحتضنه من الخلف
-جاسر اسمعني لو سمحت..حاول دفعها ولكن قوته أصبحت هاوية، ورؤيته بدأت تتلاشى، دنت منه تحتضن وجهه تهمس له ببكاء
-جاسر وحشتني اوي..شعر بدوران يسيطر عليه فدفعها بهدوء واتجه لسيارته يفتحها..فأمسكته من ذراعه
-حبيبي استنى مش هينفع تسوق وانت كدا..ظل يطالعها بنظرات صامتة، فتحركت بخطى بطيئة ونظراتها عليه مبتسمة إلى أن وصلت تحتضن كفيه متجهة به لباب السيارة الآخر واستقلت بجواره تقود السيارة تبتسم بسعادة وهي تطالعه بنظراتها ..كان مغمض العينين يشعر بألمًا يفتك برأسه ..بحث عن هاتفه ..فرفعت ذراعيها تحتضن كفيه قائلة :
-مفيش داعي للتليفون احنا خلاص هنوصل بيتنا بعد شوية
باليوم التالي
فتح عيناه بضعف بعدما تسلل الضوء يخترق جفونه..شعر بآلاما تفتك جسده
مسح على وجهه يعدل من خصلاته، بحث بعينيه بالغرفة ..فشعر بثقل على صدره ..
هب فزعًا عندما وجدهت، تغفو بجانبه، تضع رأسها على صدره
هنا شعر بدوران الأرض به وانفاسه سحبت ولم يعد لديه قدرة للتنفس..فتحت عيناها مبتسمة
-“صباح الخير حبيبي ”
االفصل الثالث والعشرون
عاد الامر كما كان ..
غريبين نحتسي الشوق والإدمان ..
نغامر على الحنين في ساحة النسيان ..
نكتب على الجدران كان يا مكان ..
حب ويقوده العصيان ..
غريبين ننتظر يمر الزمان ..
لعله يمنن علينا بالحنان
يا ساااااادة ..
فليشهد ﷲ أننا كنا ..
أحن من أن نخون أو نجرح أو نأذي ..
لكننا لم ننل شئ وكل شئٍ نال منا ..
ياسااادة
على أطراف أصابعي أعبر الليل…
كما لو أنني أعبر حقل ألغ..ام تفادياً لانفج..ار قصة أو ذكرى ..نسيتها يوماً ولم تنساني…
❈-❈-❈
فتح جفونه بتثاقل، من اختراق الضوء لعيناه، شعر بألم يفتك بجسده، وضع كفيه على عينيه إلا أنه شعر بشيئا فوق صدره، وتلامس كفيه لخصلاتها، ظن إنها معشوقته، فلاحت نظرته لأرجاء الغرفة، هب فزعا بعدما وجدها لم تكن غرفته، جحظت عيناه بذهول حينما لمحها تفتح عيناها بإبتسامة
-صباح الخير ياحبيبي
نظر لنفسه وإليه..يهز رأسه كالمعتوه رافضا ما رآه، لقد صعقته بمظهره كصاعقة الشتاء ..حاول التفوه ولكن كأنه شل ولم يعد يعلم كيف يكون الحديث، اتجهت نظراته برعب لثيابه الملاقاه على الأرض، هنا شعر وكأن ضلوعه تنكسر ضلعًا ضلعًا، وكأن صدره يطبق بصخرة عملاقة تمنع تنفسه..ابتلع غصته المدببة ورفع عيناه التي زاغت قائلا بهمس كاد أن يسمع
-ايه اللي جابني هنا..ذهب بذاكرته بخروجه من منزل باسم، وتشوش رؤيته، وبدأ عقله يضاربه ببعض المشاهد، هنا هب فزعًا يرتدي ملابسه سريعًا، ثم اتجه إليها وهي مازالت تجلس تطالعه بنظراتها الصامتة
جذبها بقوة من خصلاتها وباقصى مالديه من قوة قام بإرتطدام رأسها بالجدار
ايه اللي حصل بينا، انا ..
قبض على عنقها وهي تصرخ، حتى اختنق صوتها وشحب وجهها، ظهرت أمامه صورة معشوقته ببكائها
دفعها بقوة بعيدا عنه وهو يدور حول نفسه كالمجنون يزأر كالاسد، وبدأ يحطم كل ما يقابله حتى أصبحت الغرفة عبارة عن أشلاء متناثرة..جذبها بقوة بقميص نومها الذي يظهر معالمها الأنثوية بإستفاضة، ثم جذبها يدفعها لخارج المنزل حتى وصل بها للأسفل بتلك الحالة كالمجنون، توقف أمامه أحد من وكله جواد بمراقبة فيروز، بعدما وجده يخرج بها بتلك الحالة
-جاسر باشا لو سمحت، مينفعش كدا ، لو سمحت..طالعه بتدقيق متسائلاً :
-إنت مين .!!.سحب فيروز من كفه ثم أشار إليها
-اطلعي اوضتك، وممنوع تخرجي إلا لما تجيلك الأوامر
امسكه جاسر من تلابيبه
-إنت مين ياروح امك، وازاي تتجرأ وتوقف قدامي كدا؛ وأوامر ايه
❈-❈-❈
نزع نفسه من بين كفيه قائلاً :
-أنا المقدم أيمن الجوهري، ودا عامر المسؤل عن مراقبة المدام،
تراجع للخلف مذهولا، ثم تحرك لسيارته يقودها بسرعة جنونية كالذي يتمنى موته لا محالة
استمع لرنين هاتفه نظر إليه بعيونًا مرتعشة ..وجد العديد من الاتصالات منها ومن والده
ضرب بقوة على المقود حتى شعر بتكسر عظم يديه
-آآه..صرخة هزت الأرض كما هزت قلبه الذي ينزف دون دمًا ..استمع لرنينه مرة أخرى فتوقف جانبا، يزيل عبراته مسيطرا على نفسه
-أيوة ياجنى
هبت من مكانها تبكي بصمت
-كدا تقلقني عليك، قولت رايح عشا لعمو باسم، اتصلت بيه الساعة٣ الفجر وقالي انك خرجت من ١٢ انت فين قلقت عليك
سحب نفسًا طويلا يعبأ صدره بالأكسجين الذي منع من حوله قائلاً
-اتأخرت في الشغل، كلموني ونسيت اكلمك ..قالها بعيونا دامعة بصمت نهضت متحركة لشرفتها
-هتتأخر لسة!!
انسابت دموعه وتسائل بإستخفاف
-ايه وحشتك!!
أغمضت عيناها تشعر أنه على غير مايرام فتحدثت
-جاسر إنت فيك ايه ..وضع رأسه على المقود يمنع شهقاته التي خرجت منه رغما عنه وضرب رأسه بالمقود عدة مرات …استمع لحديثها
-جاسر ارجع متتأخرش، اه وحشتني، لو دا هيخليك ترجع
أغلق الهاتف يقبض عليه بعنف، وتراجع بجسده ونيران تلتهم صدره حتى تمنى موته بالحال..مرت دقائق وهو مازال على وضعه حتى تحرك بالسيارة متجها إلى حي الألفي
بمنزل صهيب
استيقظ على صوت هاتفه ..فتح عيناه يطالع المتصل جلس معتدلا
– ماما فيه حاجة..
-اختك عاملة ايه ياحبيبي..مسح على وجهه وأجابها:
-كويسة ياماما،انا كلمتها امبارح متقلقيش
-عز…هتفت بها نهى قائلة:
-عدي على اختك طمني عليها ياحبيبي ، قلبي وجعني عليها ..نهض من مكانه وتحرك للأسفل عندما استمع لرنين المنزل
-حاضر ياماما هعدي عليها..
مسحت دموعها تنظر لصهيب الغافي بسبب العقاقير وتحدثت :
-حبيبي هتيجي إمتى..نظر بساعة يديه
-المفروض هنسافر على خمسة ياماما ، بس معرفش ليه حضرتك مُصرة اجيلك أنا وعمو وبابا ميعرفش، وليه كل ماأسألك عن بابا تتهربي، هو بابا تعبان ياماما ، مش قولتي هتروحوا جولة سياحية..قالها وهو يفتح باب المنزل..وجد ربى تقف أمامه وعيناها ممتلئة بالدموع، فتحدث لوالدته
-ماما هكلمك بعدين..توقف أمامها يطالعها بريبة
-روبي ايه اللي جابك وعامل فيكي كدا
-إنت اللي بعت دول ..قطب جبينه متسائلًا :
-ايه دول ؟!
-الفستان والورد دا.. انت صح
تحرك للداخل حتى جلس على الأريكة وهتف
-جولك بالغلط، آسف الغبي مفكرهم علشانك..أصله قولتله ابعتهم ..رمقها بنظرة خاطفة
-يفرق معاكي ..اقتربت منه تستند على التربيزة بظهرها وتضع كفيها على أحشائها
-ناوي تبعد عننا..نهض من مكانه ودنى منها يتعمق النظر برمايتها
-اللي باعك مرة يبيعك ألف مرة، مش دا كلامك لباباكي
رفعت كفيه تملس على وجهه
-عز أنا تعبت، قولي أعمل ايه، قلبي مجروح منك أوي، ورغم كدا بتوحشني أوي ..دنى حتى اختلطت أنفاسهما يقترب من ثغرها
-عز بيموت ياروبي وهو بعيد عنك
رفعت كفوفها تحتضن وجهه وتبحر بعيناه
❈-❈-❈
-بعد الشر عليك من الموت ياحبيبي..بتر باقي حديثها بخاصتيه، يجذبها من خصرها ليعصرها داخل أحضانه لتتأوة من شدة ضغطه بسبب حملها، ولكن هنا الأشتياق ونبضات القلوب فاقت الحدود مما جعلها تستمتع بقبلته..تراجعت فزعا عندما استمعت لصراخ جواد
ابتعدت بجسد مرتعش تكاد تسند نفسها ..وصل إليها جواد يرمقهم بنظرات نارية، ولم يسنح لأحدهما التفوة عندما رفع يديه وهوى بها على خد ربى
-اطلعي برة..امشي من قدامي
توقف عز أمامه مزهولا:
-عمو..لكمه بقوة بوجهه
-إنت ازاي تعمل كدا..ايه الانحطاط اللي بقى فيكم دا .. صفعة قوية على وجه عز
-فين اخلاقك وقيمك ياحلوف انت والبغل التاني..لدرجة دي انا اب فاشل معرفتش اربي ، مقعد معايا عيال زبالة
-عمو ..صرخ بها عز قائلا
-رُبى مراتي ..تصنم جواد بوقوفه يطالعه بصدمة
-مراتك ازاي يالا..لكمه بصدره وصاح بجنون
-إنت مش رميت عليها يمين الطلاق يالا..تراجع عز بعيدا عنه بعدما وجد حالته قائلاً :
-رجعتها ياعمو، ايه مراتي ورجعتها،واوعى تصدق الكلام اللي قالته، دي مجروحة مش أكتر وأنا هدواي جروحها ..لو سمحت ياعمو بلاش تدخل بينا
-يعني كنتوا بتلعبوا بيا، كانت بتقول كلام وبتكدب من ورايا
-لا ياعمو مش كدا..اقترب منه مستأنفًا
-معرفتش اني رجعتها اصلا..وقف بجسد متجمد مذهولاً فأردف :
-يعني كانت بتقرب منك وتبوسها وهي مطلقة..بنت ، قالها وهو يكور قبضته ثم تحرك للخارج
امسك ذراعه عز وترجاه بنظراته
-لو سمحت ياعمو، احنا بنحب بعض بس ظروفنا مرجحتنا شوية، علشان خاطري
دفعه جواد بقوة:
-ابعد عني علشان منساش انك ابن اخويا ..قالها وتحرك متجهًا لمنزله ..توقف عندما وجد جاسر يترجل بتخبط من سيارته ..ظل يتابعه بنظراته ..أطلق تنهيدة ثم استمع لرنين هاتفه
-ايه اللي حصل؟!
اجابه الرجل
-اتصلت بحضرتك كتير يافندم
استمع لحديثه بأعين يتطاير منها الشرر، ثم أغلق هاتفه وصدره عبارة عن كتلة نارية، يريد أن يدخل يحطم ابنه..ظل بمكانه يطبق على هاتفه حتى كاد أن يكسره، ناهيك عن عروق رقبته النافرة، لأول مرة يكون بتلك الهيئة المرعبة..دقائق من الصمت المميت لديه، ثم تحرك بهدوء، محاولا السيطرة على نفسه
بالداخل ..هرولت للأسفل بعدما وجدته بتلك الحالة، خصلاته المبعثرة وثيابه الغير مهندمة ..تحركت سريعا فتقابلت بدخول جواد للمنزل، استمعا الى تحطيم شيئا بالداخل
أمسكت ذراعه وبقلب كاد أن يتوقف ذعرا على ابنها تسائلت :
-جواد جاسر ماله ، ايه اللي حصل!!
ربت على كتفها واتجه للداخل..توقف يطالعه بصدمة حينما وجده جالسًا على الأرضية يحتوي رأسه بين راحتيه، وتنهمر عبراته
دفعت غزل الباب ودلفت
-جاسر ماله ياجواد..شعر جواد بما صار، فأمسك كفيها
-غزل سيبنا لوحدنا
تحركت متجهة لأبنها قائلة:
-جاسر حبيبي ايه اللي حصل ، جنى كويسة، اتخنقت مع مراتك، أطبق على جفنيه وآه حارقة من جوف حسرته ومياه عبراته الحارقة تكوي قلبه قبل خده
اشتعل صدر جواد عندما وجده بتلك الحالة، فقام بدفع غزل بهدوء للخارج مغلقًا الباب خلفه، ثم تحرك إليه بخطوات هزيلة ضعيفة يتمنى أن يكذب حدسه ..جلس بجواره بهدوء رغم بركانه القابع بصدره فتحدث بثقل
-سامعك..أغمض عيناه بقوة كاد أن يمزق بها شعيراته الدموية،ثم انحنى برأسه على ركبته يعضا ندما على ما فعله
لحظات صمت مميتة حتى قطعها جواد
-ايه اللي حصل عند فيروز، وليه كنت منزلها بالشكل دا
تراجع بجسده يستند على الجدار
-لما كنت عارف اني هناك مجتش خدني ليه ، ليه دايما بتتأخر عليا ، ليه متبنقذنيش قبل ماأغرق
هز جواد رأسه غير راضيًا عما يقوله ثم أردف قائلًا:
-كنت عايزني اروح اجيب شاب عنده ٢٨سنة من شقة طليقته، والشاب دا ظابط ياحضرة الظابط..ياترى كنت مستني مني اعمل ايه، ادخل اضربك قلمين زي العيال الصغيرة واقولك ايه اللي جابك هنا، انا مش نبهت عليك الصبح، ليه ركبت البت دي عربيتك، ليه ادتلها فرصة تتحكم فيك
لا يعلم كيف يخرج مكنونه الذي يحرق داخله فرفع بصره لوالده
-مكنتش حاسس بحاجة، معرفش ايه اللي حصلي..خرجت من عند عمو باسم اخر حاجة افتكرتها ركبت معايا العربية
بعدها محستش بحاجة
اشتعلت أعين جواد ورمقه بإذراء
-ركبتها ليه العربية، كنت دوس عليها دا لو انت فعلا عايز تتخلص منها
-بابا لو سمحت..
لكمه بكتفه يهدر به:
-إنت بتحب البت دي يالا، ولا بتحب بنت عمك، ولا انت عجبك الموضوع كل شوية في حضن واحدة، وجاي على مزاجك وفرحان بنفسك أن الولا أمور والبنات بتدوب فيه
-بابا أنا قومت لقيت نفسي في سريرها من غير هدوم ومش فاكر حاجة
هل شعر أحدكم بطائر يذبح عنقه بسكينًا بارد وهو لا حول له ولا قوة، قبضة مؤلمة من بين ثنايا قلبه الذي بدأ يثور بنيران الغضب عندما هاله مقدار الضعف والحزن على ابنه، كم هو مؤلم أن ترى وليدك بتلك الحالة الهزيلة لقد سحبت روحه ولم يعد لديه القوة على الحديث، بل شعر بالعجز..هذا ماأحس به جواد ….
ردد جاسر قائلاً:
-بابا أنا ممكن اكون عملت حاجة مع فيروز
بعينين متسعة كاتساع ما بين السموات والأرض..طالعه مصدوما، تمنى حينها أن تزهق روحه لبارئها
لا يعلم أي جرم ارتكبه حتى يحدث معه ذلك..ابنه حبيبه ربيبه ..فلذة كبده هو من اطعنه بخنجر بارد، هو من أسقط قيمه وأخلاقه ..ماذا يقول ذاك المعتوه ، هل جن بالفعل، ام هناك كوابيس تدار بعقله
هز رأسه رافضا حديثه وأردف بصوت ثقيل مشحون بالألم
-لا لا لا… مستحيل ، لا أنا أكيد بحلم بكابوس ..حاول النهوض ولكن اقدامه
لم تقو على حمله، كأن جسده انشق لنصفين، اغروقت عيناه بدموع الخذلان ..يتخبط ويترنح بوقوفه مرددا
-لا ..اكيد أنا ابني ميعملش كدا، لا ابني حبيبي..سندي، كبيري، هو اللي كسرني
نهض جاسر من مكانه عندما وجد شحوب وجهه، اقترب منه
-بابا والله ماكنت حاسس بحاجة، والله مااعرف ايه اللي حصل..دنى يمسك كفيه يقبلها بدموع الوجع
-سامحني والله غصب عني..مش فاكر عملت ايه
هوى على المقعد يفتح زر قميصه عندما أحس بعدم قدرته على التنفس، كأن لم يوجد اكسجين بالغرفة
اقترب جاسر وأعطاه سلاحه
-موتني لو دا يريحك، موتني وريحني من العذاب دا كله
دفعه جواد بقوة لم يعلم كيف اكتسبها
ثم نهض من مكانه وارتفعت صيحاته حتى زلزلت المكان يعنفه غاضبًا
-اسمعني علشان انت خلاص مبقاش نافع معاك حاجة ، تعبت وقرفت من عمايلك، كل مرة بتحملني تهورك وغلطك، لو سمعت مني من الأول مكناش وصلنا للمرحلة دي، بس شكل الموضوع جه على هواك
انحنى يمسكه من اگتافه يهزه بعنف وزمجر قائلاً:
-بنت عمك هطلقها يابن جواد وروح كمل حياتك مع الاشكال اللي زي فيروز، لأن فرصك عندي انتهت، عمك بين الحياة والموت وانا هنا بلم في مصايبك مع زفت الطين فيروز، ليه علشان حضرة الظابط الفاشل مش قادر على حتة بنت جاية من الكباريهات ..انا جواد الألفي على اخر الزمن اسمي يبقى جنب حتة زبالة بسبب ابني، دفع المقعد بقدمه حتى سقط وصرخ به
-الغلط مش عندك، الغلط عندي اني قبلت واحدة زي دي تتحكم في عيلتي
امسكه يوقفه يهزه بعنف
-كام مرة نبهتك وقولتلك ابعد عنها ، كام مرة قولتلك سبني عليها، وحضرتك عملتلي دكر ..وتقولي انا هتصرف
دفعه بقوة بالجدار
-بنت عمك دخلت المستشفى بسببك، عمك بين الحياة والموت بسببك، اختك سابت بيت ابوها بسببك، العيلة اتفركشت بسبب ، روبي حياتها ادمرت بسببك، ايه كنت عايز تسمع من ابوك دا، اه حتة عيل معرفتش اربيه، والنهاردة رجعلي وتقولي مش فاكر ايه اللي حصل معرفش حصل بينا ايه
امسك المقعد ودفعه بقوة على النافذة حتى سقط زجاجها بالكامل ، وقام بتحطيم كل ما يقابله، وهو يزأر كالأسد الذي منع عنه طعامه، ويريد الانقضاض على فريسته قائلا بصوت كالرعد
-ابني على اخر الزمن يطلع زاني…آه صرخ بها صرخة اهتزت لها جدارن المنزل
استمع لطرقات غزل على باب الغرفة
-جواد افتح الباب
-غزل..صاح بها بغضب حتى تحركت من أمام الباب
رفع نظره لابنه
دار حول نفسه كالمجنون، يجذب خصلاته بعنف
-ليه يابني ، ليه تعمل فينا كدا..دي اخرتها ياجاسر، تطلع زاني في الآخر
انتهكت صحته حتى هوى على الأرضية ولسان حاله
“لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”
“اللهم اجرني في مصيبتي”..قالها بشهقة بكاء وانسابت دموعه، مرددا
“لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ”
زحف لوالده يرفع ذراعيه يبكي بشهقات مرتفعة
-سامحني يابابا والله ماكنت اعرف هوصل لكدا، عمري مافكرت أنها تكون بالحقارة دي
عيناه تحجرت بالعبرات واهتز داخله بنيران مستعيرة من حالة والده التي يراه بها لأول مرة
-بابا..همس بها جاسر، عندما زاغت نظرات جواد بأنحاء الغرفة، ولم يرى منه سوى عبراته التي تنساب بصمت
لا يعلم أن والده داخله يغلي كالمرجل الذي جف مائه
وضع رأسه على ساقه وأردف بنبرة خافتة تكاد تسمع:
-لما فوقت مفكرتش غير فيك، عارف انك هتتصدم وممكن تروح فيها، بس وحياة ربنا انا معرفش ايه اللي حصل ولا فاكر غير. اني ركبت العربية وبس
سكت هنيهة ثم تنهد تنهيدة مرتعشة
وآهة طويلة كانت أبلغ رد في تلك اللحظة التي تحرق بها روحه
-هموت يابابا..ابنك هيموت من اللي بيحصل معاه، حاسس بصخرة بتهدني،
رفع جواد كفيه يمسد على خصلاته
وهمس بتقطع
-جاسر..اعتدل ينظر لوالده برجاء أن يرحم ضعفه، ثم اومأ برأسه منتظر عقابه:
-إنت عايز ايه يابني، عايز ترجع فيروز، ولا عايز جنى، علشان افهم هعمل ايه ..أنا مبقتش فاهمك، ماهو لو بتحب جنى كنت مستحيل تخلي فيروز تكسرك كدا، ولا كنت قربت منها مفيش راجل بيحب واحدة ويقدر يكون مع واحدة تانية ، صعب ياجاسر،
-بابا أنا عايز حياة مستقرة مع مراتي وبس، فيروز متهمنيش ، مش عايز غير البنت اللي اول ماقلبي عرف يحب دقلها
لاحت ابتسامة حزينة على وجهه جواد فخلل أنامله بخصلات ابنه مردفًا
-يبقى لازم تتعب شوية، ومتكنش بالضعف دا، عيب الراجل يبقى ضعيف، الراجل بقوته، فكر وشوف إنت عايز ايه بالظبط.. وبالنسبة للي حصل النهاردة مش عايز أي مخلوق يعرفه، لحد ماارجع من السفر، لازم نقعد مع جنى الأول وتحكلها، ولو هي متمسكة بيك هترضى، أما لو كان الموضوع تقيل عليها فاعذرها مفيش ست تتحمل اللي اتحملته جنى..جنى بتحبك من زمان، وكانت بتشوف مراتك في حضنك، كفاية عليها وجع، ولو ليكم نصيب في بعض صدقني لو أنا بنفسي حاولت اطلقكم مش هقدر
❈-❈-❈
رفع كف والده وقبله
-أنا بحبك أوي يابابا..اوعى تفكر كلامي ليك دا كره، والله ابدا طول عمرك مثلي الأعلى
ضمه جواد لأحضانه بقوة وانسابت دموعه
-إنت نور عيني ياجاسر، عايزك تبقى قوي ومتضعفش ولو قلبك هيضعفك دوس عليه، سمعتني دوس على قلبك اللي يخليك ضعيف حتى لو مع جنى نفسها، اوعى تضعف وتذلل لحد مهما حصل، انت راجل، واللي يحاول يقل بيك امسحه من على وش الدنيا
سكت للحظة، ثم سحب نفسًا وزفره بقوة
-قوم اعدل هدومك وظبط نفسك، مش عايز مامتك تعرف حاجة ، ولو سألتك قولها متخانق مع جنى، نهض جواد من مكانه ونفث دخان غضبه ثم هتف بنبرة تحذيريه
-لو شوفتك ضعيف تاني انا اللي هدوس عليك بنفسي..ياله قوم خد شاور وحصلني على تحت لازم نروح مشوار قبل اي حاجة
قالها جواد وتحرك للخارج، محاولا السيطرة على نفسه..هبت غزل متجهة إليه تنتظره بالخارج
-جواد..توقفت تطالعه بنظرات تفحصية
-جواد كنت بتزعق وتصرخ ليه، ايه اللي حصل ، جاسر عمل ايه
ضمها لحضنه ثم طبع قبلة أعلى رأسها
-حبيبتي مفيش حاجة ، مشاكل جاسر وجنى، ابنك متهور كالعادة
كانت تطالعه بصمت، ثم أدارت وجهه ونظرت لعيناه الهاربة
-بص في عيني ياحبيب عمري وانت بتكلمني وقولي مخبي عليا ايه
رسم ابتسامة على ملامحه ثم انحنى
يمرر إبهامه على ثغرها
-زيزو بتكذب جوزها بعد ٣٠سنة جواز
وانا اللي كنت بقول هأجل السفر النهاردة علشان اشبع من حضنها شوية قبل مانسافر، هناك ممكن مانشوفش بعض غير دقايق
-تأجل السفر ياجواد..وعلشان تشبع بحضني .. اقتربت منه تحتضن وجهه وتخترق عيناه بنظراتها
-مخبي عليا ايه ياجواد..انحنى يطبق على ثغرها بقبلة شغوفة ..حتى رفعت ذراعها تعانق رقبته ..ثم سحبها من كفيها
-تعالي يازيزو ، محتاجك في موضوع، ابتسمت متناسية ماصار منذ دقائق وتحركت بجواره تحتضن ذراعيه متجهين لغرفته
بمنزل جاسر
كانت جالسة بالشرفة تنتظر وصوله، وضعت كفيها على صدرها متنهدة
-ياترى انت فين ياجاسر ، وصوتك متغير ليه يارب مايكونش اللي في بالي يابن عمي..ماهو أنا مش هستنى لما تيجي
هزت رأسها رافضة حديثها مع نفسها قائلة
-ايه اللي هبل دا، انتي اتجننتي فعلا صدقتي الكدبة ماانتِ عارفة أد ايه هو وبيحبك..رفعت هاتفها مرة أخرى
لحظات تكاد تموت من الغيرة وعقلها يصارع قلبها …بغرفته بمنزل والده خرج على رنين هاتفه، توقف ينظر لأسمها وصورتها
أطبق على جفنيه ورفعه بأنامل مرتعشة، ثم وضعه واتجه لغرفة ملابسه
بعد فترة من الوقت كان يجلس أمام الطبيب ينتظر مابداخل التحليل
نظر الطبيب لتلك الورقة ثم اتجه إلى جواد
-زي ماحضرتك توقعت يافندم، فيه مادة غريبة بدم جاسر، وللأسف التحليل ظهر المادة دي ..نوع من حبوب الهلوسة والجنس
ارتفعت دقاته بعنف، وشعر بالأختناق، فنهض بترنح قائلاً
-يعني افهم من كدا ..ممكن يكون حصل حاجة
أوقفه والده قائلاً:
-جاسر ..اتجننت اقعد واسمع الكلام، ثم اتجه للطبيب
-هي ليها آثار جانبية يادكتور
نزع الطبيب نظارته الطبية ثم أردف
-بص ياجواد علشان اكون صريح معاك
دي بتكون خطيرة لو كان مدمن على اقبالها، يعني فيه رجالة كتير بتاخد منها في حالة يعني..صمت الطبيب قائلا
-أكيد عرفت قصدي
اومأ برأسه وهتف :
-لا يادكتور دا حد حب يعمل مقلب مش لطيف مع جاسر، فكنا عايزين نتأكد من نوع الحبوب بس
انطفأ وجهه ثم نهض متحركا سريعا للخارج..توقف جواد يشكر الطبيب وتحرك خلفه
وصل إلى سيارته، ونيران داخلية تحرق دواخه وقلبه يصفعه بقوة
-قدرت تخون جنى ياجاسر، ازاي قلبك قدرت يعمل كدا..كور قبضته يضرب فوق السيارة حتى وصل إليه والده
-اركب ياله لازم اتحرك خلال ساعتين
استقل السيارة بصمت وقادها وهو يطالع الطرق بذهن مشتت وقلبًا مفتت انتبه لحديث والده
-اياك تقول لجنى لحاجة..نظر لوالده بتيه وأردف
-بابا ازاي وصلتلي الحبوب دي، عمو باسم مستحيل يعمل كدا
-باسم ميعرفش ياجاسر، دي فيروز لعبت أكيد على مراته، حتى ممكن مراته متعرفش، بس ازاي حياة دخلتها البيت، انت بتقول مشفتهاش، يبقى فيروز اتفقت مع الخدامة ممكن
نظر للخارج وأجابه بنبرة متقطعة
-أو ممكن حياة نفسها ماهم صحاب وعملوها قبل كدا
هز جواد رأسه رافضا حديثه
-لا مظنش، حياة مش كدا، ولو بتفكر في اللي عملته فهو غصب عنها، باسم مرحمهاش في الأول وأي حد مكانها كان عمل كدا وأكتر…انا ميهمنيش دلوقتي غير مراتك، خايف عليها ، امسك ذراعه وتطلع إليه
-جاسر لسة علاقتك بجنى متوترة
لسة واخد منها موقف
أطلق زفرة حارة وهتف
-بابا جنى كل شوية تقولي عايزة تطلق، وانا مستحيل اطلقها، سمعتني مستحيل حتى لو هقعدها غصب عنها
نظر جواد للخارج وأجابه
-مطوعهاش الست عايزة الحب والحنان، وانت اكبر مسهوك في المواضيع دي
رمق والده بنظرة صامتة ..التفت إليه جواد يرفع حاجبه ساخرا
-ايه بقول حاجة غلط، مش دي الحقيقة، غبية جنى معرفش حبيتك على ايه، طب والله الواد ياسين احسن منك ولا أوس، معرفش سبتهم ليه ومسكت في حلوف زيك، ولا جواد دا كان هيعرف أنه معاه أميرة
بابا..صاح بها بغضب وزمجر من بين أسنانه ونار الغيرة تحرقه
-جنى حبيبتي قبل ماتكون مراتي، وكنت هتجوزها هتجوزها غصب عن الكل حتى غصب عن حضرتك
رمقه جواد بنظرة ساخطة لم يفهم معناه ثم تحدث
-اللي يسمعك بتقول كدا يقول ان الولد متجوزش عليها ومراته حملت مرتين، جذبه من تلابيبه
-كنت بتحبها ياخويا وجايلك نفس للعقربة، ولا الجمال ودع الحب يالا،مش بقول مسهوك يابن جواد
ابتلع غصة مُرة كالعلقم أحكمت حلقه حد الأختناق حتى لمعت عيناه بالعبرات قائلاً:
-اه كنت، بس فكرت كنت بحس بإيه يابابا..ذهل جواد من حديثه حتى طالعه بصدمة متسائلًا
-جاسر ..ربنا اعطاك فرصة حلوة بدل اتعذبت زي مابتقول، حافظ عليها، امسك فيها بايدك وسنانك