بقلم نهال مصطفى

حاولت تركز في الكلام، بس دماغها بتعيد ملامحه: الخط حوالين العين، الحركة وهو بيشاور للقاضي، الضغطة الخفيفة على سنانه لما بيتضايق. همست لنفسها: “حِسن؟” الكلمة وقعت جوه قلبها قبل ما عقلها يصدق. القاضي خبط بالجلسة اللي بعدها، دنيا رجعت خطوة لورا، عينيها عليه وهو بيجمع ورقه، مستنية أي لمحة تقولها إن الحدس ده صح، أو إن التعب خَلاها تشوف اللي هي عايزاه في أي شاب مألوف.القاعة فضيت شوية، والقاضي طلع يراجع الأحكام. المحامي الشاب قرب من موكلته في القفص يطمنها ويوعدها بالبراءة. دنيا، إيدها متعلقة بالقفص، نادت عليه بصوت مبحوح:

— حضرتك… ممكن تترافع عني؟ أنا مظلومة، ومليش حد.

لفّ لها. عينه وقعت على وشها المجهد، ملامحها شبهت خيال قديم في دماغه. سألها بهدوء، كأنه بيختبر نفسه:

— اسمك ايه؟

ردت، والحروف طلعت خفيفة: “دنيا”.

سكت، عينه ثبتت عليها ثانية زيادة، سأل تاني:

— اسمك بالكامل؟

قالت: “دنيا مصطفي عماره ” اهلي ماتو وانا صغيرة ومليش غير اخ واحد إسمه حسن ومعرفش طريقه فين.

الهوا في القاعة وقف. المحامي اتنفس بصعوبة، وبص لملف دماغه من سنين، للاسم اللي دَوّر عليه في كل محضر. مد إيده، نبرة صوته اتغيرت، قديمة كأنها راجعة من طفولة:

— دنيا أختي … أنا حسن اخوكي .

عينيها اتوسعت، الشـ,ـفتين رعشوا، والقفص بقى مش فاصل بين زمان وأول اللقاء دلوقتي. دمعتها نزلت قبل ما تنطق، وهو واقف برا القفص، بس إيده اتمدت كأنها بتشدها من الازاز تاني، زي ما كانوا صغيرين.القاضي دخل، ورق في إيده، وعين حسن لسه متعلقة بدنيا كأنه بيحميها من الحكم قبل ما يتقال. اسامي اتندهت، وأحكام نزلت، ودنيا سمعت اسمها: “الحبس ست شهور”. ساقها انقبض، بس عنيها ما سابتش وش حسن.

الجلسة اترفعت، وحسن قرب من القفص، كف إيده لمس الحديد جنب كفها:

— اسمعيني، أنا لما صدقت لقيتك يا دنيا ومش هسيبك تضيعي مني تآني.. هثبت إنك كنتي بتدافعي عن نفسك. وهطلعك منها.

دنيا هزت راسها، صوتها مبحوح: “وأنا صدقتك وأنا صغيرة، وبصدقك وأنا كبيرة”.

بص لها بنظرة طويلة، ودّعها بنظرة فيها وعد من عمر فات، ولف يمشي يجهز ملف البراءة، وفي نيته يسابق الساعات عشان ما تنامش ليلة زيادة وهي محسوبة على حاجة ما عملتهاش.حسن ماسابش الورق تاني. لف على المستشفى، جاب التقرير، لقى الكاميرا اللي تبين زاوية إيد الراجل وهي بتمد عليها ، وجمع شهود من الشارع الخلفي. بعد أسبوعين، القاضي قرا أسباب البراءة ودنيا خرجت،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *