تزوجت رجل عجوز٢
تجمدت في مكاني. لم أصرخ. لم أتحرك.
كان قريبًا جدًا…
كان يمسك دفترًا جلديًا قديمًا.
قال بصوت مبحوح، وكأنه لم ينم منذ سنوات:
«آسف… سامحيني. أعرف أن هذا مخيف، لكن لو لم أفعل هذا… ستتأذين».
ابتعد خطوة إلى الخلف، وأشعل المصباح الصغير.
وجهه لم يكن وجه رجل منحرف…
كان وجه شخص منهك… خائڤ… محطم.
فتح الدفتر أمامي.
صور. تواريخ. أسماء.
قال:
«زوجتي الأولى… ماټت في هذا السرير. في نفس الغرفة. في نفس الأسبوع بعد زواجنا.»
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أكمل:
«لم تكن حاډثة. كانت… لعڼة. كل امرأة نامت بجانبي بعد الزواج، أصابها شيء. مرض. جنون. مۏت.»
سكت قليلًا ثم قال بصوت منخفض:
«لكن الغريب… أن اللعڼة لا تعمل إن كانت المرأة نائمة وهو يراقبها دون لمس.»
حدقت فيه، غير قادرة على الكلام.
قال وهو يشير إلى الدفتر:
«دفعت أموالًا لأطباء، شيوخ، باحثين… لم أجد تفسيرًا. لكن هذا النمط تكرر.
المراقبة فقط… تحمي.»
ثم نظر إليّ بعينين دامعتين:
«لم أتزوجك لأني أردتك.
تزوجتك لأني كنت أعلم أن إنقاذ عائلتك أهم من حياتي… وكنت مستعدًا أعيش بقية عمري كحارس لا كزوج.»
في تلك الليلة… لم أنم.
لكن للمرة الأولى، لم أشعر بالخۏف منه…
بل بالحزن.
مرت الشهور.
لم يلمسني أبدًا.
كان يعاملني باحترام غريب، كأنني وديعة ثمينة.
ثم ذات صباح…
وجدته ممددًا على الكرسي.
عيناه مغمضتان.
الدفتر على صدره.
رحل بهدوء.
في وصيته، ترك لي كل شيء.
لكن الأهم…
ورقة واحدة كتب فيها:
«اللعڼة انتهت معي.
لا تسمحي لأحد أن يخيفك بحب مشوّه.
عيشي.»
بعد جنازته، نمت لأول مرة وحدي في الغرفة…
ونمت بعمق.
ولا أحد كان يراقبني.استيقظتُ في الصباح التالي والشمس تملأ الغرفة، كان هدوء المكان غريبًا، وكأن الجدران التي شهدت سنوات من التوتر والترقب قد تنهدت أخيرًا. شعرتُ بخفة في جسدي لم أعهدها، لكن الصمت الذي تركه وراءه كان أثقل من أن يُحتمل.
ذهبتُ إلى مكتبه، المكان الذي كان يقضي فيه لياليه ساهرًا يراقبني ويراقب الأشباح التي تطارده. كان الدفتر الجلدي القديم ما يزال مكانه. فتحتُ الصفحة الأخيرة، خلف رسالته لي، وجدتُ ملاحظة صغيرة مكتوبة بخط يد مرتعش، مؤرخة بليلة وفاته:
«اليوم، رأيتُ الظل يرحل. لم يعد يقف عند زاوية السرير. لقد اختارني أنا بدلاً منكِ. المقايضة تمت.»
في تلك اللحظة، أدركتُ الحقيقة البشعة والنبيلة في آن واحد؛ لم تكن المراقبة مجرد طقس للحماية، بل كانت وسيلة لجذب انتباه “اللعنة” إليه هو، ليظل هو الهدف والضحية، بينما أبقى أنا في النور.
مرت السنوات، وتزوجتُ من رجل آخر، رجل لم يكن يحمل أسراراً في دفاتره ولا خوفاً في عينيه. وفي ليلة زفافي، وبينما كنتُ أستعد للنوم، شعرتُ برغبة مفاجئة في النظر نحو الكرسي القديم الذي كان يجلس عليه زوجي الأول.
لم يكن هناك أحد. لم يكن هناك ظل.
لكن، وعلى الطاولة الجانبية، وجدته… الدفتر الجلدي القديم.
لم أضعه هناك، ولم يره زوجي الجديد. فتحته بقلب يخفق بشدة، فوجدت صفحة جديدة بيضاء تماماً، باستثناء جملة واحدة ظهرت وكأن الحبر يجف عليها الآن:
«لقد أوفيتُ بوعدي.. نامي بسلام.»
أغلقتُ الدفتر، ووضعته في الخزانة وأقفلتُ عليه للأبد. لم أخبر أحداً، ولم يعد الخوف يطرق بابي. لقد ترك لي ثروة، وبيتًا، وحياة… لكنه ترك لي ما هو أغلى من ذلك بكثير: الإيمان بأن هناك حباً قد يصل لمرحلة القداسة، حيث يفني الإنسان نفسه ليمنح الآخر فرصة ليقول “أنا حي”.
نمتُ يومها، ولم أحلم بشيء، سوى بوجه الرجل المنهك وهو يبتسم لأول مرة… وهو يرحل نحو النور.
بعد سنوات من تلك الليلة، أصبحتُ المرأة التي أرادني أن أكونها: قوية، حرة، وغير خائفة. بعتُ المنزل الكبير الذي كان يسكنه الموت، وانتقلتُ إلى مدينة ساحلية حيث الشمس لا تغيب عن الغرف.
لكنني، ولسبب لا أفهمه، احتفظتُ بالدفتر الجلدي. لم يكن مجرد سجل للموت، بل كان صكّ حريتي الذي دُفع ثمنه من عمر رجل وقلق روحه.
في إحدى الليالي الهادئة، وأنا جالسة أمام البحر، قررتُ أن أتصفح الدفتر للمرة الأخيرة قبل أن أحلقه أو أدفنه. كنتُ أبحث عن إجابة لسؤال ظل يراودني: كيف بدأت اللعنة؟
قلبتُ الصفحات الأولى التي لم أقرأها من قبل، كانت التواريخ قديمة جدًا، تعود لجد جده. وهناك، بين الأوراق الصفراء، وجدتُ صورة باهتة لامرأة تشبهني لدرجة مرعبة، وفي ظهر الصورة كُتب بخط غريب:
«الوفاء لا يُطلب، بل يُنتزع. من يحبني سيظل يحرسني حتى وهو في قبره، ولن يسمح لامرأة أخرى أن تأخذ مكاني.. إلا إذا كانت هي أنا.»
سقط الدفتر من يدي. هل كان يحميني من لعنة قديمة، أم كان هو نفسه جزءاً من حكاية تكرر نفسها؟ هل كانت مراقبته لي طوال تلك الليالي ليتأكد أنني لستُ “هي”؟ أم ليتأكد أنني لن أؤذيه؟
نظرتُ إلى المرآة خلفي، وخُيل إليّ للحظة أنني رأيت طيفه يقف بعيداً، ليس منهكاً هذه المرة، بل هادئاً، شفافاً، وكأنه أدى أمانته ورحل.
أدركتُ حينها أن “اللعنة” لم تكن سحراً أو قوى خارقة، بل كانت “الخوف”. الخوف الذي يتوارثه الرجال في عائلته، والحزن الذي يسكن بيوتهم. لقد كسر هو الحلقة ليس لأنه راقبني، بل لأنه صدق أنني أستحق الحياة أكثر منه.
أخذتُ الدفتر، ومشيتُ نحو الشاطئ. مع أول موجة قوية، ألقيتُ به في أعماق البحر. راقبتُ الجلد القديم وهو يغرق، ومع كل صفحة يبتلعها الماء، كنتُ أشعر بعبء يزول عن كتفي.
عدتُ إلى بيتي، أطفأتُ كل الأضواء، وارتميتُ في فراشي. لم أنظر إلى الكرسي، ولم أنتظر أحداً ليراقبني.
لأول مرة، لم أكن “وديعة” ولا “حارسة” لذكرى شخص ما.
كنتُ فقط امرأة تنام.. لأنها تملك الصباح.